الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٤٦٦أحدها: حديث أنس، قال: «قَدِمَ أُنَاسٌ مِن عُكْلٍ -أو عُرَيْنَة- فَاجْتَووا الْمدينة فَأمرهم النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِلقاح وأَن يَشربُوا مِن أبوالِها وألبانِها فَانطلقوا، فَلَمَّا صحُّوا قتلوا راعي النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا النعم، فَجاء الْخَبر في أَوَّل النهار فبعث في آثارهم فَقطع أَيديهم وأَرجلهم، وسُمِّرت أَعينهم، وألقوا في الْحَرَّةِ يستسقون فلا يُسقون».
قالوا: وهذا نصٌّ في طهارة بول الإبل، ويُقاس عليه ما عداه من مأكول اللَّحْم.
وبَيَان ذَلِكَ: أَنَّهُ لو لَمْ يَكن طاهرا ما أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشربه.
وَأُجِيبَ: بأن ذَلِكَ مَحمول على التداوي فليس فيه دليل على الإباحة في غَيْر حال الضرورة.
وَرُدَّ: بِأَنَّه لو كان حَراما لَما جاز التداوي به لِحديث: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا». /311/
وأَيْضًا: فقد قَال - صلى الله عليه وسلم - في الْخَمْر: «إِنَّهَا لَيسَتْ بِدَوَاءٍ وَإِنَّهَا دَاءٌ»، وذَلِكَ في جواب من سأل عن التداوي بِها، فلم يبح التداوي بالْخَمْر؛ لأَنَّه حرام.
وأَيْضًا: فلم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ أمرهم بغسل أفواههم وشفاههم إذَا أرادوا القيام إلى الصلاة، وذَلِكَ دليل على أَنَّهُ غَيْر نَجس.
وَأُجِيبَ عن الأَوَّل: بِأَنَّه مَحمول على حالة الاختيار، أي لَمْ يَجعل الله شفاء أمَّته فيما حرَّم عليهم إذا تَداووا به اختيارا، كما إذا وجدوا دواء مباحا فعدلوا عنه إلى الدواء الْمحرَّم، أَمَّا في حال الإضرار فَلا يَحرم كالْميتَة للمضطر.
وَأُجِيبَ عن الثاني: بأنَّ ذَلِكَ خاص بالْخَمْر وَيلتحق به غَيْره مِن الْمِسْكر، والفرق بين الْخَمْر وغيره من النجاسات، أن الْحَدَّ ثبت باستعماله في حالة الاختيار دون غَيْره، ولأنَّ شُربه يَجرُّ إلى مفاسد كثيرة.