مقدمات
الجزء ١ · صفحة ١٢٠أَحَدهَا: قَولُهُ تَعَالىَ: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾، قَالُوا: فَأوجَبَ فِي الآيةِ الأولَى أَنَّ كلاًّ منها أُمَم أَمثالُنا، وأخبَر فِي الثانيَةِ بأنَّ لِكُلِّ أمَّةٍ نَبيًّا ونَذيرا، وذَلِكَ يُوجِبُ أَنَّ لِكُلٍّ منها نَذيرا، وأَنَّهُمْ مُكلَّفون.
وَأُجِيب: بأنَّ لفظَ الأُمَّة يُطلق عَلَى الْجَمَاعَةِ كمَا فِي قَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ أي: جَمَاعَة، ويُطلقُ عَلَى أَتباعِ الأنبياءِ - عَلَيهِم السلاَمُ -، ولذَلِكَ يُقَالَ: أمَّة مُحَمَّد، وأمَّة مُوسى - عَلَيهِما السلاَمُ -، وتُطلَقُ عَلَى الدينِ، قالَ الله تَعَالىَ حِكاية عَن المشركينَ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ يَعني: عَلَى دِين وملَّة، وتُطلَقُ عَلَى الْمُدَّة والزَمَانِ كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَلَئِنْ أخَّرنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾، وتُطلَقُ عَلَى القامَة، يُقَالُ "فلانٌ حسَن الأُمَّة" أي: حَسَن القامَة، فَقَولُهُ تَعَالىَ: ﴿إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ أي: إِلاَّ جَماعات أَمثالُكم فِي الخلقِ، وقَولُهُ تَعَالىَ: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أي: ما قَرْنٌ سَلَف إِلاَّ وقَد كانَ لَهم نَذير يُنذرُهُم؛ فَالأمَّة فِي الآيةِ الأولَى غَير الأُمَّة فِي الآيَة الثانيَةِ، إِذ الْمُرَادُ بِهَا فِي الآيَة الأولَى الجماعَة مُطلقا، والْمُرَادُ بِها فِي الآية الثانيةِ الْجَمَاعَة مِن البشرِ.