الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٤ · صفحة ٢٢2- ومنهم من قال: بنجاستها، وجعلها من أجزاء الْميتَة الْمُحَرَّمَة.
واحتَجَّ الأَوَّلون بشيئين: أَحَدُهُمَا: أن الْحِسَّ الذي تعتبر به الْحَيَاة غَيْر موجود في العظام والقرون. وثانيهما: حديث ابن عَبَّاس قال: تصدَّق عَلى مولاة لِميمونة بشاةٍ فَماتت فمرَّ بِها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «هَلاَّ أَخَذتُم إهَابَهَا فَدَبَغتُمُوهُ فَانتَفَعتُم بِه؟» فَقَالُوا: "إِنَّهَا مَيتَة، فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرَّم أَكْلَهَا» فأوقعَ - صلى الله عليه وسلم - التَّحْرِيم عَلى الذي يؤكل منها، والعظام والقرون لَيست مِمَّا يُؤكل.
وَأُجِيبَ عن الأَوَّلِ: بأنَّ الْحَيَاة ليست عبارة عمَّا يقتضي الْحسّ والْحَركة /365/ بل هي عبارة عن كون الْحَيوَان والنباتِ صَحيحا في مِزاجه، معتدلا في حَاله، غَيْر معترض للفساد والتعفُّن والتفرُّق بِدليل قوله تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ أَحيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَه»، والأصل في الإطلاق الْحَقيقة.
وَرُدَّ: بِأَنَّه يَلزم على هذا أن ما قطع من الأشجار وهي حيَّة ميتة، ويلزم أن يعطى اليابس من الشجر حُكم الْميتَة ولا قائل بذَلِكَ، ولا يَصِحُّ لأحد أن يَقول به فسقط الاعتراض.
وَالْجَوَاب: عَن الاحتِجَاج الثاني: أَنَّهُ معارض بظاهر قوله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فعموم هذه الآية مُتَناوَل لِجَمِيع أجزائها.
وأَيْضًا: فإن الْمُسلِمِين إِنَّمَا رجعوا في معرفة وجوه الْحرمة إلى هذه الآية فدلَّ انعقاد إِجْمَاعهم عَلى أَنَّهَا غَيْر مَخصُوصة ببَيَان حرمة الأكل.
وَرُدَّ: بأنَّ عُموم الآية مُخصَّص بالْخَبَر، وإن الإِجْمَاع مَمنوع إذا لَمْ يقم على ثبوته دليل، وَاللهُ أَعلَم.