الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٤ · صفحة ٢٦احتَجَّ القائلون: بِجواز الانتفاع بعد الدباغ لا قَبله بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أيما إهاب دبغ فقط طهر».
وأَيْضًا: فإن الدباغ يرد الْجِلْد إلى ما كان عليه حال الْحَيَاة، وكما كان حال الْحَيَاة طاهرا كَذَلِكَ بعد الدباغ.
احتَجَّ القائلون بأن ذَلِكَ خاص بجلد مأكول اللَّحْم دون غَيْره بما يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ينهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها أوالجلوس.
ورأى عمر بن الْخَطَّاب - رضي الله عنه - رجلا عليه قلنسوة من ثعالب فأمر بها ففتقت، وقال له: "وما يدريك لعله ليس بمذكى".
ورأى مَرَّة أخرى رجلا عليه قلنسوة من جلود الهر فحرقها وقال: "إنه ميتة، فهذا الْحَدِيث في النهي عن جلود السباع.
وهذان الأثران عن عمر بن الْخَطَّاب يخصص حديث: /369/«أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَد طَهُر» بأن الْمُرَاد به إِهاب مَا يؤكل لَحْمه دون غَيْره، على أَنَّهُ قَد ورد على سبب خاص وهو شاة مولاة ميمونة.
وقد خصَّص بعض الأصوليين عموم اللفظ بالسبب الْخَاص ونَحن لا نقول بذَلِكَ، بل نقول إِنَّه لا عِبرة بِخصوص السبب مَع عموم اللفظ، غَيْر أنَّ عموم اللفظ هَاهُنَا مُخصَّص بِما مرَّ.
وأَيْضًا: فإنَّ الله تَعَالَى حرَّم الْميتَة في كتابه على لسان نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - ، فَأجمع أهلُ العلم على القول به فَلَمَّا ثَبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ أباح أن ينتفع بإهاب بعض ما يَجُوزُ أكل لَحْمه مذكًّا إذا مَات بعد الدباغ كان ذَلِكَ وما في معناه من جلود الأنعام مباح الانتفاع بِها بعد الدباغ.
وَكُلُّ مُخْتَلف فيه بعد ذَلِكَ فمردود إلى جُملَة تَحْرِيم الْميتَة في كتابه وعلى لسان نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - فهذا وجه استدلال أَرباب هذا القول، وَاللهُ أَعلَم.