الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٥٦وَرُدَّ: بِما في حديث أنس بن مالك، قَالَ: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : «صَلاَة الرَّجُلِ فِي بَيتِهِ بِصَلاَة، وصَلاَتُه في مَسْجِدِ القَبائِلِ بِخَمسٍ وَعِشرِينَ صَلاَة، وَصَلاَتُه في الْمَسْجِدِ الذِي يُجمعُ فيه بِخمسمائَة صَلاَة، وَصَلاَتُه في الْمَسْجِدِ الأَقصَى بِخمسينَ أَلف صَلاَةٍ، وَصلاَته في مَسْجِدي بِخمسينَ أَلفَ صَلاَة، وَصَلاتُه في الْمَسْجِدِ الْحَرَام بِمائةِ أَلفِ صَلاَةٍ»، وفيه بَحثان:
أحدهُما: أن ظاهر هَذَا الْحَدِيث مثبت للتفاضل في الْمَسَاجِد من غَير الثلاثة، كما يَدُلُّ عَلَى ثبوت التفاضل بَيْنَ مَسْجِد الْجُمُعَة ومَسْجِد القبائل، فهو بِحسب ظاهره معارض لقوله: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ…الخ».
والْجَوَاب: أن حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ» مَحمول عَلَى تَكلُّف السفر إِلَى الْمَكَان الباعد، إذ مَسْجِد الْجُمُعَة لا يَحتاج إِلَى شدِّ الرحال.
والبحث الثانِي: أن قوله: «وَصَلاَتُه فِي مَسْجِدي بِخَمسِينَ أَلفَ صَلاَة…الخ» مُعارض للحديث الْمتقَدِّم بأن: «صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي خَيْرٌ مِن أَلفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِواهُ إِلاَّ الْمَسْجِد الْحَرَام».
والْجَوَاب: يُحمل ذَلِكَ عَلَى تَجدُّد زيادات النعم، وذَلِكَ /64/ أن يقَالَ: إن ما في الْحَدِيث الأَوَّل كَانَ في أَوَّل الأمر، ثُمَّ زيد فيه؛ فأخبر النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - في كُلّ حَال بِما علم، ولا يلزم من ذَلِكَ نسخ الأخبار؛ لأَنَّ الأَوَّل غير منسوخ في حاله ذَلِكَ، أعني: أن كُلَّ واحد من الْخَبرين باق عَلَى حكمه؛ لأَنَّ الْمُخبر به ثانيا غير الْمُخبر به أَوَّلاً، والله أعلم.