الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ١٨٩وأَيضًا: قال ابن عَبَّاس: إن أهل الْجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت /220/ عراة، الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانوا إذا وصلوا إِلَى مَسْجِد مِنًى طَرحوا ثيابَهم وأتوا الْمَسْجِد عُراة، وقالوا: لا نطوف في ثياب أصابتنا فِيهَا الذنوب. وَمِنهُم من يَقُولُ: نفعل ذَلِكَ تفاؤلا حَتَّى نتعرَّى عن الذنوب كما تعرَّينا عن الثياب. وكَانَتْ الْمرأة مِنهُم تتَّخذ سترا تُعلِّقه عَلَى حقويها لتستر به عن الْحمس (وهم قريش)، فَإِنَّهُم كانوا لا يَفعلون ذَلِكَ، وكانوا يُصَلُّون في ثيابِهم، ولا يأكلون من الطعام إِلاَّ قوتا، ولا يأكلون دسما.
فَقَالَ الْمُسلِمُون: يا رَسُول الله، فنحن أحقُّ أن نفعل ذَلِكَ؛ فأنزل الله تَعَالَى هَذِه الآية، أي: البَسُوا ثِيابكم وكلوا اللحم والدسم، واشربوا ولا تُسرفوا.
فإن قِيلَ: إن هَذِه الآية نزلت في الْمَنع من الطواف حال العري لا في الْمَنع عن الصَّلاَة عاريا.
فالْجَوَاب: أن العبرة بعموم اللفظ لا بِخصوص السبب؛ فيقتضي عموم اللفظ وجوب اللبس التام عِنْدَ كُلّ صَلاَة؛ لأَنَّ اللبس التام هو الزينة، وقد خصَّص الإجماع بعض الأعضاء التي لا يَجب سترها كالوجه والكفَّين من الْمرأة وغيرها من الرَّجُل، فبقي الباقي دَاخلا تَحت اللفظ، وَإِذَا ثبت أن اللباس واجب في الصَّلاَة /221/ وجب أن تفسد الصَّلاَة عِنْدَ تركه؛ لأَنَّ تركه يوجب ترك الْمَأمُور به، وترك الْمَأمُور به معصية والْمَعصِيَة توجب العقاب، وَاللهُ أَعلَم.
وَلَمَّا كَانَ الْمُصَنِّف لَمْ يذكر اللباس في أَوَّل الْبَاب عِنْدَ جُمْلَة الشُرُوط نبَّه عَلَيْه هَاهُنَا بأَنَّهُ من شُرُوط الصَّلاَة فَقَالَ:
… وَمِن شُرُوطِهَا لِبَاسٌ … سَاتِر … عَورتَه لاَ مِن حَريرٍ … طاهِر
… إِن لَمْ تَكُن أُنثَى … ولاَ حَربٌ بَدَا … وَلْيَستُرنَّ صَدرَهُ … وَالعَضُدَا
… وعَاتِقًا مِنهُ وَلَكِن … يُندَبُ … وَإِن رَآهُ الأَكثَرُونَ … يَجبُ