الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٢٤٨والْمُرَاد بِها: الْجهة التي أوجب الله عَلَى الْمُصَلِّي أن يستقبلها، مأخوذ من القبالة وهي الْمُحاذاة والْمُقابَلة. وَقِيلَ: سُمِّيت الكَّعبة قِبلة؛ لأَنَّ الله يتقبَّل صَلاَة من توجَّه إليها. والأَوَّل أصحّ في مَعنَى اللغة.
والدَّلِيل عَلَى وجوب استقبال الْقِبلَة في الصَّلاَة: قوله تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «هَذِهِ الْقِبلَةُ» مُشيرًا إلَى الكَعْبَةِ.
ووجوب استقبال الْقِبلَة مِمَّا لا يُجهل؛ لثبوته بالكتاب والسنَّة والإجماع الثابت بالتواتر، فمنكرها مُشرك، وجاهلها بَعد قيام الْحُجَّة منافق فاسق، وَاللهُ أَعلَم. وسنقدِّم أمام الْمَقصُود مسائل:
الْمَسأَلَة الأُولَى: في الْحكمة فِي تعيين الْقِبلَة في الصَّلاَة
وقد ذكروا لَها حكمًا:
أحدُها: أن الْمَقصُود من الصَّلاَة حضور القلب، وهذا الْحُضُور لا يَحصل إِلاَّ مع السكون وترك الالتفات والْحَركة، وهذا لا يتأتَّى إِلاَّ إذا بقي في جَمِيع صلاته مستقبلا لِجهة واحدة عَلَى /294/ التعيين، فإذا اختصَّ بعض الْجِهَات بِمزيد شرف في الأوهام كان استقبال تلك الْجِهَة أولى.
وثانيها: أن الله تَعَالَى يُحبُّ الْموافقة والألفة بين الْمُؤمِنين، وقد ذكر الْمنَّة بِهَا عَلَيْهِم، حيث قال: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، ولو توجَّه كُلّ واحد منهم في صلاته إلى ناحية أخرى لكان ذلك يوهم اختلافا ظاهرا، فعيَّن الله تَعَالَى لَهم جهة معلومة، وأمرهم جَمِيعا بالتوجُّه نَحوها ليحصل لَهم الْموافقة بسبب ذلك، وفيه إشارة إلى أن الله تَعَالَى يُحِبُّ الْمُوافَقَة بين عباده في أعمال الْخير.