الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٥ · صفحة ٢٨١قال: وما عرفه ببلده فليعوِّل عَلَيْهِ في الطريق كُلّه إِلاَّ إذا طال السفر، فَإن الْمسافة إذا بعدت اخْتَلَف موقع الشمس وموقع القطب وموقع الْمشارق والْمغارب إلى أن ينتهي في أثناء سفره إلى بلد، فينبغي أن يسأل أهل البصيرة، أو يراقب هذه الكواكب وهو مستقبل مِحراب جامع البلد حَتَّى يتَّضح له ذلك، فمهما عرف هذه الأَدِلَّة فله أن يعوِّل عَلَيْهَا، اهـ وَاللهُ أَعلَم.
تَنبِيه: اعلم أنَّهُ لا خلاف بين الأمَّة في وجوب معرفة الاستدلال عَلَى الْقِبْلَة بالأدلَّة الْمنصوبة؛ لكن هل وجوب ذلك فرض عَلَى العين أم فرض عَلَى الكفاية؟
قال الفخر: فيه وَجهَان، أصحُّها فرض عَلَى العين؛ لأنَّ كُلَّ مكلَّف مأمور بالاستقبال، ولا يُمكنه الاستقبال إِلاَّ بواسطة معرفة دلائل الْقِبْلَة، وما لا يتأدَّى /339/ الواجب إِلاَّ به فهو واجب، وهو مقتضى مذهب الأصحاب - رحمهم الله -، واستظهر مُحَشِّي الإيضاح أنَّهُ فَرض كفاية، وَاللهُ أَعلَم.
الْمَسأَلَة الثَّالِثَة: في تَحصيل الدلالة إلى الْقِبْلَة
وذلك إِمَّا أَن يَكُون بالنظر في دلائل الْقِبْلَة الْمُتقَدِّم ذكرها، وَإِمَّا أَن يَكُون بالتقليد للغير والرجوع إلى قوله أو فعله، وَإِمَّا أَن يَكُون بِمجموع النظر والتقليد، فهي ثلاثة أَنوَاع:
فأَمَّا النوع الأَوَّل: وهو النظر في الدلائل: فيُسَمَّى اجتهادا، وهو مقدَّم عَلَى التقليد لقوله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أَمر الله تَعَالَى بالاعتبار، والرجل قَادر عَلَى الاعتبار في هذه الصورة.
وَأَيضًا: فذلك الغير إنَّما وصل إلى جهة الْقِبْلَة بالاجتهاد؛ لأنَّه لو عرف الْقِبْلَة بالتقليد أيضا لزم إِمَّا التسلسل أو الدور، وكلاهما باطل فلابدَّ من الانتِهَاء آخر الأمر إلى الاجتهاد.