مقدمات
الجزء ١ · صفحة ١٧٦وَأَمَّا مَا ذهبَ إِلَيه هَذِهِ الْجَمَاعَة من أَصحَابنَا فَهُوَ: أَنَّ الْعَقْل حَاكم عِندَ عَدم الشَّرْع، فيَلزَمُ مَن لَمْ يَسمَع شَيْئًا مِن الشَّرَائِع أَن يَفعلَ مَا يَستحسِن الْعَقْل فِعلُه، وأَن يَترك ما يَستقبِحُه الْعَقْل.
واحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَولِه تَعَالىَ: ﴿أَيَحْسَبُ الإِْنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾، وبِقَولِه تَعَالىَ: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾، فثَبَت مِن الآيَة الأُولَى وُجُوب تَكلِيف الإِنسَانِ مُطلقا حَيثُ انتفَى الإهمالُ عَنه، وثَبَت مِن الآيَة الثَّانِيَة وُجُوبُ مَا يَحسن فِي الْعَقْل، وتَرك ما يقبَح فِيه؛ لأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أُوتِيَ أَهْلُ الْعُقُول، فَهُم يُثبِتُونَ حُكمَ الْعَقْلِ حَيثُ لاَ شَرعَ، وَأَمَّا عِندَ وُرُودِ الشَّرْع فيُوجِبُون الرُّجُوعَ إِلَى أَحكَامِ الشَّرْع، فلاَ حُسنَ عِندَهُم إِلاَّ مَا حَسَّنه الشَّرْع، ولاَ قُبحَ إِلاَّ ما قَبَّحَه الشَّرْع، فلا يُوجِبُون عَلَى الله تَعَالىَ شَيْئًا مِمَّا تُوجِبُه الْمُعتَزِلَة، ولاَ يَردُّونَ عَلَى الشارِع حُكمًا صحَّ نَقلُه عِندَهُم.
فَبَين مَا ذَهَبَ إِلَيه هَذَا البعضُ مِنَّا وبَينَ مَا ذَهَبَت إِلَيه الْمُعتَزِلَة البَونَ البعيدَ، فلاَ يَشكلُ عَلَيكَ ذَلِكَ، وَالله أعلَم.
[الْكَلاَم فِي بَيَان أَنَّ التَّوحِيد والْعَمَلَ مُتلازمان]
وَلَمَّا فَرغَ مِن بَيَان إِثباتِ الحكمِ لِلشرعِ أَخذَ يُبَيِّن أَنَّ التَّوحِيدَ والْعَمَل مُتَلاَزِمَان، فلاَ يَنفعُ أَحَدُهُمَا فِي الآخرةِ عِندَ تَضيِيعِ الآخَر، فَقَالَ:
… والْعَبدُ إِن أَوفَى … بِتَوحيدٍ فَقَد … أُلزِمَ أَن يَعمَلَ … للهِ الصمَد