الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٣ويُمكن أن يُجاب: بِأَنَّهُ إذا لَمْ يبتدئ السورة من أَوَّلِها فحكم ما قرأ من الآيات تابع لقراءة الْفَاتِحَة، والابتداء للفَاتِحَة ابتداء له.
وَأَمَّا قومنا فقد اختَلفُوا في ذَلِكَ: فعند الشافعي أن الأفضل إعادتها في أوائل السور، كما هو الصَّحِيح من مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: إذا قرأها في أَوَّل ركعة عند ابتداء القراءة لَمْ يكن عليه أن يقرأها في تلك الصَّلاَة حَتَّى يفرغ منها. قال: وإن قرأها مع كُلّ سورة فحسن.
قَالَ بَعضُهم: وظاهر قوله إنَّه لَمَّا قرأ التَّسْمِية في أَوَّل الْفَاتِحَة فَإِنَّه لا يعيدها في أوائل سائر السور.
والْحَقُّ الأوَّل - لِما قدَّمنا من الأَدِلَّة - عَلَى أَنَّهَا آية مِن كُلّ سورة كتبت في أَوَّلِها، وَاللهُ أَعلَم.
التَّنبِيه الثَّانِي: في صِفَة السرِّ والْجَهر في القراءة
قد اختَلفُوا في صِفَة السرِّ والْجَهر في القراءة:
- فمِنهُم من قال: إن الْجَهر الذي يظهر به الصوت، والسرَّ ما سوى ذَلِكَ ولو سَمعته الأذنان.
- ومِنهُم من قال: إن السرَّ الذي لا تسمعه الأذنان، والْجَهر الذي تسمعه الأذنان فصاعدا.
- وَقِيلَ: الْجَهر أن يسمع الْمَرء نفسه وأذنيه ومن يليه، وهو الصَّحِيح؛ لأَنَّ الْجَهر ما سمعه الغير، وما دون ذَلِكَ فهو سر. وهذا الكَلاَم إِنَّمَا يكون في أقلّ ما يصدق عليه اسم جهر، أَمَّا أكثر ذَلِكَ فلا نِهاية له.
ويؤمر الإمام في صلاة الْجَهر أن يُسمِع من يليه، فإن لَمْ يفعل فقد قصر عن /103/ الْمَأمُور به، ويعجبني إعادة صلاته وصلاة من صلَّى خلفه، بناء عَلَى القول بأن الْجَهر في حقِّ الإمام حَتَّى يسمعه من خلفه.
وقيل: بتمام صلاتهم إذا سَمَّع أذنيه، بناء عَلَى القول بأنَّ أقلّ الْجَهر في حقِّه وحقّ غيره ما سَمعته الأذنان.
خرَّج ذَلِكَ أبو سَعيد قال: لأَنَّ الإمام قد يَجهر ولا يسمعه من خلفه كُلّهم فصلاتهم تَامَّة عَلَى ذَلِكَ.