معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مقدمات

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

فالذي عَلَيه مَذهبنا أَنَّ الْمُشرِك مُعذَّب عَلَى تَرك التَّوحِيد، وعلى تَرك الأَعمَال البدنيَّة، فَإِذَا رأيت الإِسلاَم شَرطا فِي العبادات، فذَلِكَ شرط فِي صحَّة إتيانِها لاَ شَرطا لوُجُوبِها، وإن وَجَبَت فذَلِكَ الوُجُوب إِنَّمَا هُو لِسبب غَير ذَلِكَ الشرط، وذَلِكَ السببُ هو الأمر بفعلها، فَالإسلام شَرط لصحَّة الصَّلاَة مَثلا، ولَيسَ وُجُوبُ الصَّلاَة بالإسلام، وَإِنَّمَا وُجُوبُها بِقَوله تَعَالىَ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاَة﴾، فالإسلام شَرط لِصحَّة الصَّلاَة كالطهارةِ واللباسِ وغَير ذَلِكَ مِن الشروط التي لاَ بُدَّ منها لصحَّة الصَّلاَة.

ويَدُلُّ عَلَى صحَّة قَولنا بتَكلِيف الْمُشرِك بالعبادات الشَّرْعية التي لا تَصحُّ إِلاَّ مع الإِسلاَم قَولُه تَعَالىَ: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، فهذه الآية دليلٌ عَلَى وُجُوب الزكاة عَلَيهم، وقَوله تَعَالىَ حكاية عن الْمُشرِكين فِي النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، فالظاهر أَنَّهُم أخبروا أَنَّ سبب عقابِهم إخلالُهُم بِهَذِهِ الواجبات المعدودة.

فإن قيل: إِنَّ الْمُرَاد فِي قَولِهِم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾: لَمْ نك من المسلمين الذِينَ يُصلُّون، فَعاقَبهم عَلَى كونِهم لَمْ يَكُونوا من المسلمين فَقَطْ.

أُجِيب: بأنَّ الظاهرَ خِلاَف ذَلِكَ.

سلَّمنا؛ فهذَا لاَ يَستقيم لَهُم فِي قَولِهِم: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾، فإنَّ هذَين مُصرِّحَان بأنَّ عقابَهم بالإخلال بذَلِكَ لا بترك الإِسلاَم، قَطعا فِيهما عَلَى ما يقتضيه المنطوق لا المَفهُوم، هَذَا حاصل ما عَلَيه المذهب.

١٨٨ / ٣٬٧٥٢