الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٢١٥إِذَا صَلَّى فِيه جَمَاعَة إِذَا انعقدت فيه الْجَمَاعَة كره لِمَن جاء من بَعْد أن يُصَلِّيَ جَمَاعَة، وَإِنَّمَا يصلُّون فرادى؛ إذ لا يُجمع في مسجد مَرَّتَين. هذا قول أصحابنا وبعض قومنا.
وعند أكثر أصحابنا: أن الكراهة للِمَنع، حَتَّى قالوا بفساد صَلاَة الْجَمَاعَة الثانية. وحتى قَالَ بَعضُهُم: ليس لِمَن دخلوا مسجدا وَلَمْ يعلموا أَنَّهُ صَلَّى فيه جَمَاعَة أم لا أن يُصلُّوا فيه جَمَاعَة، فإن فعلوا فسدت صلاتُهم؛ لأَنَّهُم صلُّوا عَلَى شبهة.
وقال بعض قومنا: بِجواز ذَلِكَ.
وقَالَ بَعضُهُم: لا يصَلَّى في الْمَسجِد الْحَرَام ومسجد الْمَدينة.
وقيَّد أبو سعيد قول أصحابنا بالْمَنع من ذَلِكَ في الْمَوضِع الذِي كَانَت الصَّلاَة تَجُوز فيه مع الإِمَام جَمَاعَة لو اتَّصلت الصفوف. قال: وَأَمَّا بقعة لا تَجُوز الصَّلاَة فيها بصَلاَة الإِمَام كمقدم الْمَسجِد أو نَحوه فلا تفسد فيه الْجَمَاعَة بَعْدَ الْجَمَاعَة.
ووجدت هذا التقييد أيضا في كَلاَم أبي جابر. وإبقاؤه عَلَى الإطلاق أَوْلَى؛ إذ لا دليل عَلَى التقييد.
والصحيح عندي جواز ذَلِكَ ما لَمْ يفض إلى تَهاون بِحضور الْجَمَاعَة الأُوْلَى أو تشتُّت في الْجماعات، فإن أفضى إلى ذَلِكَ امتنع لِما في التهاون بِهَا من مُخَالفة الأوامر الْمقتضية للحثِّ عَلَى الْجماعة، ولِمَا في التشتُّت من اختلاف الكَلِمَة الْمُفضي إلى التنازع والفشل.
والدليل عَلَى الْجَوَاز عِنْدَ عدم الْمحذور /304/ ما يروى: أن رجلا دَخل الْمَسجِد وقد صَلَّى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ألاَ رَجلٌ يتَصدَّقُ عَلَى هَذا فَيُصَلِّي مَعَه؟»، فهذا نصُّ عَلَى الْمَطلوب.
فإن صلُّوا جَمَاعَة بَعْدَ جَمَاعَة الإِمَام فأكثر قول أصحابنا أن صلاتَهم فاسدة.
وقَالَ بَعضُهُم: لا فساد عَلَيْهِ، واستحسنه أبو سعيد لِما ثبت من فَضْلِ الْجَمَاعَة.