الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٣٤٥قِيلَ: عن الْحكمة في ذَلِكَ أن الله - عز وجل - خلق الْخلق فَأخرجهم من العدم إلى الوجود، وجعل منهم جَمادا وناميا وحيوانا فكَانَ ما سوى الْجماد أصنافا منها بَهائم وملائكة وجنّ وإنس. ثُمَّ هي مُختلفة الْمساكن من الْعُلوِّ والسفل، فكَانَ أشرف العالَم السفلي هم الناس؛ لعجيب تركيبهم وَلِمَا كرَّمهم الله -تعالى- به من النطق، وركَّب فيهم من العقول والطباع التي هي غاية التعبُّد بالشرائع، وَلَمْ يَخف موضع عظم الْمِنَّة، وجلالة قَدر الْموهبة لَهُم فأمروا بالشكر عَلَى هذه الكرامة في يوم من الأَيَّام السبعة التي فيها أُنشئت الْخلائق، وتَمَّ وجودها ليَكُون في اجتماعهم في ذَلِكَ اليوم تنبيه عَلَى عظم ما أنعم الله تعالى به عَلَيْهِم، وإن كَانَ شأنُهُم لَمْ يَخل من حين ابتدؤوا من نعمة تتخلَّلهم، وأنّ منَّة الله مثبتة عَلَيْهِم قَبل استحقاقهم لَها، وَلِكُلّ أهل ملَّة من الْملل الْمَعرُوفة يوم منها عظّم؛ فلليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، وللمسلمين يوم الْجمعة.
روي عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «يَومُ الْجُمُعَةِ هَذَا اليَوْم الذِي اختَلَفوا فِيه فَهدَانَا الله لَه فَلِليَهُود غَدًا وَللنَّصارَى بَعْدَ غدٍ»، وَلَمَّا جعل يوم الْجمعة يوم شكر وإظهار سرور وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذِي تقع شهرته /3/ فجمعت الْجماعات له كالسنَّة في الأعياد، واحتيج إلى الْخُطبة تذكيرا بالنعمة، وحثًّا عَلَى استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر.
وَلَمَّا كَانَ مدار التعظيم إِنَّمَا هو عَلَى الصَّلاَة جُعلت الصَّلاَة لِهذا اليوم وسط النهار ليتمَّ الاجتماع، وَلَمْ تَجز هذه الصَّلاَة إِلاَّ في مسجد واحد ليَكُون أدعى إلى الاجتماع، والله أعلم.
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: في أَوَّل جُمعة صلِّيت