الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٣٤٧وقد اختَلَفوا في ذَلِكَ: فذهب الأكثر إلى أن تعيينها كَانَ باجتهاد من الْمُسلِمين. وذَلِكَ بأَنَّهُ تعالى فرض عَلَى عباده أن يَجتمعوا يوما ويعظِّموا فيه خالقهم بالطاعة، لكن لَمْ يبيِّن لَهُم بل أمرهم أن يستخرجوه بأفكارهم، ويعينوه باجتهادهم، وأوجب عَلَى كُلّ قبيل أن يتبع ما أدَّى إليه اجتهاده كما في الْمَسَائِل الْخِلاَفية.
- فقالت اليهود: يوم السبت؛ لأَنَّهُ يوم فراغ وقطع عمل؛ لأَنَّ الله -تعالى- فرغ عن خلق السماوات والأرض فينبغي أن يَنقطع النَّاس عن أعمالهم، ويتفرَّغوا لعبادة مولاهم.
وزعمت النَّصارى: أن الْمُرَاد يوم الأحد؛ لأَنَّهُ يوم بدء الْخلق الْموجب للشكر والعبادة.
فهدى الله الْمُسلِمين ووفقهم للإصابة حَتَّى عيَّنوا يوم الْجُمُعَة وقالوا: إن الله -تعالى- خلق الإنسان للعبادة كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وكَانَ خلق الإنسان يوم الْجُمُعَة، فكَانَت العبادة فيه لفَضْله أَوْلَى؛ لأَنَّهُ تعالى في سائر الأَيَّام أوجد ما يعود نفعه إلى الإنسان، وفي الْجُمُعَة أوجد نفس الإنسان، والشكر عَلَى نعمة الوجود أهمُّ وأحرى.
وقال /5/ بعضهم: يَحتمل أَنَّهُ تعالى نصَّ لنا عَلَيْهِ، وأَنَّهُ وفَّقنا للإصابة.
وقال ابن حجر: تولَّى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - تعيينه لنا وَلَمْ يكله إلى اجتهادنا، عَلَى أَنَّهُ لو وكَّله إلينا لوفِّقنا لإصابته ببركته - صلى الله عليه وسلم - .
ورُدَّ: بأَنَّهُ مُخَالِف للنقول الصريحة. وَأَيضًا: فلَم يبق لِهذه الأمَّة مزيد مزِيَّة عَلَى الأمم السابقة، فإنَّ الأَنبياء مستثنون عن هذه القضية.