الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٣٥٨ولا يشكل عليك قوله - صلى الله عليه وسلم - : «فَمَن تَركَهَا جُحُودًا لَها، أو استخفافًا بِهَا» فَإِنَّهُ لا يفيد التقييد؛ لأَنَّ الْمُرَاد بالْجُحُود والاستخفاف نفس الترك لغير عذر، ولو كَانَ الْمُرَاد الْمتبادر من لفظهما لكَانَ ذَلِكَ شِركا؛ لأَنَّهُ جحود لبعض أركَان الشريعة، والْجَاحد لذَلِكَ مُشرك إجماعا، وكذَلِكَ الْمستخفُّ به.
وَأَيضًا: لو كَانَ الْمُرَاد ذَلِكَ لَما كَانَ لوصف هَذَا التارك بالصَّلاَة والزكاة والصيام والْحَجّ معنى؛ فإنَّ الْمُشرِك لا يفعل شيئا من هذه العبادات.
وَقِيلَ: من تركها ثلاث جمع بغير عذر فهو هَالك. ولَعَلَّ حجَّتهم قوله - صلى الله عليه وسلم - : «مَن تَركَ الْجُمُعَةَ ثَلاثًا مِن غَيْرِ ضَرورَةِ طُبِعَ عَلَى قَلبِهِ».
وفي هَذَا إشكال؛ لأَنَّ شأن فَرض العين أن يهلك تاركه بِمرَّة وَاحِدَة إِذَا لَمْ يَكن في تركه عذر، وبذَلِكَ يبرأ منه إِذَا لَمْ يَتب.
وَيُجَابُ: بأنَّ ذَلِكَ خاص بصَلاَة الْجُمُعَة دون غيرها لُطفا منه تَعَالَى ومَنًّا لِمَا قد يَحصل بالسعي إليها من الْمَشَقَّة بسبب بُعد الْمسافة.
وَأَيضًا: فالطبع عَلَى القلب إِنَّمَا هو عقوبة الذنب، فليس فيه دلالة عَلَى أن تارك الْجُمُعَة مَرَّة وَاحِدَة أو مَرَّتَين /16/ لا يهلك؛ بل غاية ما فيه أَنَّهُ إِذَا تركها ثلاثا عُوقب بِهَذَا العقاب الْخاص.
واعلم أن الأعذار الْمُبِيحة لترك صَلاَة الْجَمَاعَة مُعتبرة هاهنا؛ فكلُّ ما يسقط حضور الْجَمَاعَة يسقط حضور الْجُمُعَة، إذ لا جُمُعَة إِلاَّ في جَمَاعَة. وقد تقدَّم ذكر هذه الأعذار في صَلاَة الْجَمَاعَة من الْجُزءِ الرابع، والله أعلم.
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: في استثناء الصَّبِيّ والْمجنون والْمَرأَة والْمُسَافِر والعبد من عموم الْخِطَاب الدَّال عَلَى وجوب الْجُمُعَة