الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٣٦١وَالْجَوَاب: ما مرَّ في نَظيره عَلَى أن الأَدِلَّة الْمتَقدِّمة لَمْ تَفصل بين عبد وعبد، وأن الْحَدِيث استثنى العبد، فظاهره الإطلاق فلا يقيَّد إلاَّ بدليل.
وَأَمَّا الْمُسَافِر: فقد ذهب كثير منهم إِلَى ما ذهبنا إليه، وخالفنا فيه أبو حنيفة فقال: الْجُمُعَة واجبة عَلَى من كَانَ بين وطنه وبين الْمَوضِع الذِي يُصَلَّى فيه الْجُمُعَة مسافة يُمكِنه الرجوع بَعْدَ أداء الْجُمُعَة إِلَى وطنه قبل الليل، عَلَى شرط أن يَكُون خراج وطنه ينقل إِلَى ديوان الْمصر الذِي يأتيه للجُمُعَة، فإن كَانَ لوطنه ديوان غير ديوان الْمصر لَمْ يَجب عَلَيْهِ الإتيان. /19/ وروي عن أبي يوسف: أَنَّهَا تجب في ثلاثة فراسخ.
وَقِيلَ: إن أمكنه أن يَحضر الْجُمُعَة ويبيت بأهله من غير تكلُّف تَجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة، وَإِلاَّ فلا.
قال الزهري: إِذَا سَمع الْمُسَافِر الأذان فليشهد الْجُمُعَة.
وقال مَحبُوب بن الرحيل - رضي الله عنه - : بلغنا أن أهل عمان كتبوا إِلَى جابر بن زيد -رَحِمَه الله- يسألونه: هل يأتِي الْجُمُعَة من لا يسمع النداء؟ فكتب إليهم جابر: لو لَمْ يَأت إِلاَّ من سَمع النداء لأقلَّ الله أهلها، تؤتى من رأس فرسخين وثلاثة، ومن قدر أن يأوي إِلَى منزله فعَلَيْهِ الْجُمُعَة.
وَلَعَلَّ حجَّة الزهري: قوله - صلى الله عليه وسلم - : «مَن سَمِعَ الندَاءَ فَارِغًا صَحيحًا فَلَم يُجِب فَلاَ صَلاَةَ لَهُ».
والْجَوَاب أن الْحَدِيث مَحمول عَلَى الْمُقِيمِين دون الْمُسَافِرين؛ لِما تَقدَّم من الدليل عَلَى إخراج الْمُسَافِر.
ولَعَلَّ أبا حنيفة وأبا يوسف يقولان: إنَّهُ لا جُمُعَة عَلَى المسافر، وَإِنَّمَا يُخالفان في حدِّ السفر، فالْجَائي مِن تلك الْمَسَافة ليس بِمسافر عندهما، ولَعَلَّهما يَحتَجّان عَلَى ذَلِكَ بِحديث أبي هريرة: «الْجُمُعَةُ عَلَى مَن آوَاهُ الليلُ إِلَى أَهلِهِ».