الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٣٩١قالوا: والكلام والإِمَام يَخطُب ليس بكلام في الصَّلاَة؛ لأَنَّ الْحَال الذِي هو فيه غير حال الصَّلاَة. وحَملوا قوله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ جُمُعَة لَهُ» عَلَى نفي الكمال دُون الصِحَّة عَلَى حدِّ ما قيل في: «لاَ صَلاَة لِجارِ الْمَسجِد إِلاَّ في الْمَسجِد»، وقد أَجْمَعُوا أن جار الْمَسجِد لو صَلَّى في بيته لسقط فرض الصَّلاَة عنه.
وَالْجَوَاب: أن ما احْتَجُّوا به من الْخَبرين واقعة حال لا تَصلح للاستِدلاَل لاحتمال أنَّ كلاًّ منهما تكلَّم قبل جلوسه أو قبل شروعه أو بَعْدَ فراغه، مع احتمال نسخه أو خصوصيَّته أو عدم علمه بالْحكم فإن الْجَاهل أعذر، ويَدُلُّ عَلَيْهِ منع الصحابة /46/ بالإشارة، ولو كَانَ الكلام جائزا لَما منعوه. وحَمل النهي في الأحاديث عَلَى طلب الكمال في غاية البعد، فَإِنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لا يشبِّه تارك الكمال بالْحمار.
واحْتَجَّ من جَوَّز الذكر دون غيره من الكلام بِحديث ابن عمر قال: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يَحضُر الْجُمُعَة ثَلاَثَةُ نَفَرٍ: فَرجُلٌ حَضرَهَا يَلْغُو فذَلِكَ حظُّه مِنهَا، وَرَجُلٌ حَضرَهَا بِدُعاءٍ فَهُو رَجلٌ دَعَا اللهَ إِن شَاءَ أَعطَاهُ وَإِن شَاءَ مَنعهُ، ورجلٌ حَضرهَا بِإنصاتٍ وَسُكوتٍ وَلَمْ يتخطَّ رَقبَةَ مُسلِمٍ، وَلَمْ يُؤذِ أحدًا فَهِي كفَّارَة إِلَى الْجُمُعَة التي تَليهَا وَزِيادةِ ثَلاثَة أَيَّامٍ وذَلِكَ بأنَّ الله يَقولُ: ﴿ مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾».
ووجه الاستِدِلال: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُعنِّف الداعي؛ بل فوَّض أمر الإجابة إِلَى الله، وقد عنَّف اللاَّغِي حيث جَعل اللغوَ حَظَّه مِن جُمعته، فكلّ ما ليسَ بلغو مِن الذكر فهو كالدعاء.