الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤١٨وأن الصحابة كَانُوا ينتابون الْجُمُعَة من العوالِي، وهي قرى بينها وبين الْمَدينة ثَمَانِيَة أميال، وسيأتي ذَلِكَ كلّه في الاحْتِجَاج.
ثُمَّ اختَلَف الناس في الْحَدّ الذِي يَجب السعي منه إِلَى الْجُمُعَة:
فقَالَ أصحابُنَا: يَجب عَلَى من كَانَ منْزله عن موضع الْجُمُعَة ما دون الفرسخين، والفرسخ ثلاثة أميال.
وقد تَقدَّم عن جابر بن زيد أَنَّهُ قال: تؤتى من فرسخين ومن ثلاثة فراسخ، وأكثر من ذَلِكَ وأقلّ. وقد قدَّمتُ أن ذَلِكَ منه -رَحِمَه الله- عَلَى جهة الْحثِّ لا الإلزام؛ لأَنَّ الْجُمُعَة لا تَجب عَلَى الْمُسَافِر.
وَقِيلَ: تَجب عَلَى من كَانَ عَلَى ثلاثة فراسخ. وَقِيلَ: عَلَى من يبلغه النداء، نداء رجل عالي الصوت في وقت هدوء الأصوات، وسكون الأرياح. وَقِيلَ: تَجب عَلَى من آواه الليل إِلَى أهله لِحَدِيث أبي هريرة: «الْجُمُعَةُ عَلَى مَن آوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى أَهْلِهِ». وَقِيلَ: تجب عَلَى من كَانَ من موضعها إلى أربعة أميال. وَقِيلَ: عَلَى ثلاثة أميال. وَقِيلَ: عَلَى ميلين. وَقِيلَ: عَلَى ميل واحد.
ولَعَلَّ الْجَمِيع يتمسكون بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «مَن سَمِعَ الندَاءَ فَارِغًا صَحيحًا فَلَم يُجِب فَلاَ صَلاَةَ لَهُ».
فإنَّ النداء في الوقت الْخالي من الْحواس مع هدوء الْحركات، وسكون الرياح يبلغ قدر فرسخين أو أكثر. فيَكُون قد اعتبر بعضهم بلوغه في هَذَا الْحَال فرآه يبلغ ثلاثة فراسخ أو فرسخين، فقال: إِنَّهَا تؤتى من هناك.
ويعتبر آخرون بلوغه في غير هَذَا الْحَال، فَإِنَّهُ يختلف باختلاف الأحوال فقد يبلغ في حال ثلاثة أميال، وفي حال ملين، وفي حال مَيلا واحدا وهكذا.
ولَعَلَّ القائلين بالْمَيلين يتمسَّكون بنهيه - صلى الله عليه وسلم - /75/ رعاة الإبل والغنم يوم الْجُمُعَة أن يبعدوا بِهَا عَلَى رأس مَيلين حَتَّى لا يسمعوا النداء فلا يشهدون الْجُمُعَة.