الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤٢٣وَأَمَّا ثَالِثًا: فإنَّ جواثى مدينة لا قرية كما قال البكري، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قول امرؤ القيس:
… ورُحنا كأنَّا من جواثى … عَشيَّة … نُعَالي النعاجَ بَين عدل ومحقب
ومعناه: كأنَّا من تُجار جواثى لكثرة ما معهم من الصيد، وأراد كثرة أمتعة تُجَّار جواثى، وكثرة الأمتعة تدلُّ غالبا عَلَى كثرة التجار، وكثرة التجار تَدُلُّ عَلَى أن جواثى مدينة /79/ قطعا؛ لأَنَّ القرية لا يَكُون فيها تُجَّار غالبا عادة.
قالوا: ثبت في نفس الْحَدِيث من رواية وكيع أَنَّهَا قرية من قرى البحرين. وفي أخرى عنه من قرى عبد القيس. وكذا للإسْمَاعيلي من رواية مُحمَّد بن أبي حفصة عن [إبراهيم] بن طهمان وهو نصّ في موضع النِّزاع، فالْمصير إليه أَوْلَى من قول البكري وغيره.
قُلْنَا: إن ثبتت الرواية بذَلِكَ ففيه إطلاق القرية عَلَى الْمَدينة العظيمة عَلَى حدِّ قوله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾، يَعنِي: بالقريتين مكَّة والطائف، وبِهَذَا يُجمع بين هَذَا الْحَدِيث وما تَقدَّم من الأَدِلَّة.
قالوا: يَحتمل أَنَّهَا كَانَت في الأَوَّل قرية ثُمَّ صارت مدينة.
قلنا: شعر امرئ القيس يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَت مدينة قبل الإِسْلاَم؛ لأَنَّهُ كَانَ في زمن الْجاهلية. فلو قلتم باحتمال مصيرها قرية بَعْدَ كونِها مدينة لكَانَ أظهر في الاحتمال، وحينئذ فنقول: إِذَا ثبت في الأصل أَنَّهَا مدينة فنحن عَلَى حكم الأصل ولا نتركه لأجل احتمال لَمْ يقم عَلَيْهِ دليل، وإطلاق اسم القرية عَلَيْهَا لا يكفي دليلا عَلَى الانتقال لتوسُّع العرب في لغاتها.
ثُمَّ إن هَذَا الْحَدِيث قد جاء بلفظ الصحابي، وما تَقدَّم في اشتراط الْمِصر بعضه بلفظ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فلو قدرنا التعارض لوجب الترجيح من هذه الْحيثية، والله أعلم.
تنبيهات:
الأَوَّل: في صفة الْمِصر