الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤٢٢وَمِنهَا: أن عمر بن الْخَطَّاب - رضي الله عنه - مَصَّر الأمصار للجُمُعَة، وَلَمْ يُخالِف عَلَيْهِ أحد في فعله، فكَانَ ذَلِكَ إجماعا منهم عَلَى أن الْمِصر شرط، ولو لَمْ يكن شرطا لردُّوا عَلَيْهِ قوله، ولأَنكروا عَلَيْهِ فعله. وهل يَخطر ببال من له أدنى مسكة من عقل أن الصحابة كلّهم يسكتون عَلَى تعطيل فرض من فرائض الله تَعَالَى أوجبه عَلَى /78/ عباده، حَتَّى يهمل من جَمِيع الأماكن إِلاَّ ثَمَانِيَة أمصار أو سبعة، وهم أئمَّة الْهدى ومصابيح الدجى، وما أظن بِمَن ظن بِهم ذَلِكَ إِلاَّ أَنَّهُ أساء الظن فيهم، ونسب الكبيرة إليهم.
وَمِنهَا: أَنَّهُ لَمْ ينقل عن الصحابة - رضي الله عنهم - أَنَّهُم حين فتحوا البلاد اشتغلوا بنصب الْمَنابر والْجُمَعِ إِلاَّ في الأمصار دون القرى. ولو كَانَ لَنُقِلَ ولو آحادا.
وَمِنهَا: قوله تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، وذَلِكَ أن البيع إِنَّمَا يَكُون في الأمصار، أي في غالب أحواله.
احْتَجَّ من أوجبها في القرى بِحديث ابن عبَّاس: إن أَوَّل جُمُعَة جُمِعت بَعْدَ جمعة في مسجد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد بن القيس بِجواثى من البحرين. قالوا: وهي قرية من قرى البحرين.
وَالْجَوَاب: أمَّا أَوَّلا: فإنَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى تسليم ما ذكرتُموه لا يعارض ما تَقدَّم من الأَدِلَّة مع وضوحِها وإجماله، وقوَّتِها وإشكاله. ولأَن يَدُلَّ عَلَى اشتراط الْمِصر أَوْلَى من أن يَدُلَّ عَلَى عدمه، كما تَقدَّم ذَلِكَ في احْتِجاجنا عَلَيْهِم.
وَأَمَّا ثَانِيًا: فإنَّ الْحَدِيث لا يَدُلُّ عَلَى جَمِيع الشروط التي شرطها الْمُخَالِف. فإن سَلَّمنَا، دلالته عَلَى اشتراط القرية فقط احتاجوا إِلَى أَدِلَّة تثبت لَهُم سائر الشروط.