الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤٢٥وحُكم الْمَدينة في إقامة الْجمعات والْحُدُود وإنفاذ الأحكام حُكم الْمِصر عَلَى قول من لَمْ ير الْجُمُعَة مقصورة عَلَى الأمصار السبعة. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقدَّم في بعض الأحاديث: «أَنَّهُ لا جُمُعَة ولا تشريق ولا صَلاَة فطر ولاَ أَضْحَى إِلاَّ فِي مَصْرٍ جَامِعٍ أَوْ مَدِينَة عَظِيمَة». وذَلِكَ أن الْمَدينة في معنى الْمِصر لاشتمالها عَلَى ما يشتمل عَلَيْهِ الْمِصر من كثرة الأبنية واجتماع الناس؛ ولأَنَّهَا تغني أهلها غالبا عن الاحتياج إِلَى غيرها في قضاء حوائجهم، فهي مصر في الْمَعنَى وإن اختصَّت باسم آخر.
ولو قِيلَ: بأن الْمَدينة هي الْمِصر الْمتَّصلة أبنيته، وأن الْمِصر يطلق عَلَى هَذَا الْمَعنَى، وعلى ما انفصلت الأبنية وكَانَت قرى كثيرة لكَانَ ذَلِكَ حسنا.
وعَلَيْهِ فيَكُون بين الْمِصر والْمَدينة عموم وخصوص مطلق؛ لأَنَّ كُلّ مدينة مصر وليس كُلّ مصر مدينة. ولك أن تقسم الْمَدينة إلى نوعين:
أَحَدُهُمَا: مدينة عظيمة وهي التي تكون نوعا من الْمِصر، ويعطى لها حكمه.
و[ثانيهما]: مدينة صغيرة وهي ما ليس كذَلِكَ.
وعلى هَذَا فيَكُون بين الْمَدينة والْمِصر عموم وخصوص من وجه، وفي وصف الْحَدِيث الْمَدينة بالعِظَم إشارة إِلَى هَذَا الْمَعنَى.
وبالْجُملَة فإن أوصاف الأمكنة تختلف باختلاف الأوقات، فقد يَكُون الْمَكَان الواحد مصرا في وقت، ومدينة في وقت، وقرية في وقت، وقد يَخرب فلا يرى له أثر بالكلية؛ فالواجب اعتبار هَذَا الْمَعنَى، فإن الإغفال عنه موجب لترك الْجُمُعَة من أصلها.