الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤٥٧وعن حفص بن عاصم قال: «صحبتُ ابن عمر في طريق مكَّة فصَلَّى لنا الظهر ركعتين ثُمَّ جاء رَحله وجلس فرأى ناسا قياما، فقال: ما يصنع هَؤُلاَء؟ قُلتُ: يسبحون (أي يتنفَّلون). قال: لو كنت مسبِّحا أتْممت صلاتي، صحبت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فكَانَ لا يزيد في السفر عَلَى ركعتين، وأبا بكر وعمر وعُثْمَان كذَلِكَ».
وعن عمران بن حصين قال: "غزوت مع النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وشهدت معه الفتح فأقام بِمكَّة ثَماني عشرة ليلة لا يُصَلِّي إِلاَّ ركعتين، يقول: «يَا أَهْلَ الْبَلَدِ، صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا سَفَر»".
وَلَمَّا صَلَّى عُثْمَان بِمنى أربع ركعات بَعْدَ ستِّ سنين من خلافته أنكر عَلَيْهِ الناس، فقال: يا أَيُّهَا الناس إِنِّي تأهَّلت بِمكة منذ قدمت. وإنّي سَمعت رَسُول الله /113/ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلاَة الْمُقِيمِ».
وفي إنكار الناس عَلَيْهِ دليل عَلَى أَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلاَة والسَّلاَم- لَمْ يكن يتِمّ في السفر، وأن القصر عزيمة وَإِلاَّ فلا وجه للإنكار.
ثُمَّ إن اعتذاره بالتأهل في مكة يدفع ما رفعوه عنه من أَنَّهُ كَانَ يرى القصر غير واجب، لو كَانَ رأيه ذَلِكَ لَمَا اعتذر بالتأهل بل يبين لَهُم الْجَوَاز، ويَحتَجّ عَلَيْهِم بِمَا عنده من الْعِلم. ولَمَّا لَمْ يكن شيء من ذَلِكَ علِمَنا أن القصر عِنْدَ الصحابة واجب اتِّفَاقا.
احْتَجَّ الشافعي بوجوه:
أَحَدُهَا: ظاهر قوله تَعَالَى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ…﴾. وذَلِكَ أن نفي الْجناح مشعر بعدم الوجوب، فَإِنَّهُ لا يقال: لا جناح عليكم في أداء الصَّلاَة الواجبة، بل هَذَا اللفظ إِنَّمَا يذكر في رفع التكليف بذَلِكَ الشيء، فَأَمَّا إيجابه عَلَى التعيين فهَذَا اللفظ غير مستعمل فيه.