الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤٧٤وَلَمْ أعرف للشافعية والْمَالِكية حُجَّة في تحديد القصر بِمَا إِذَا لَمْ ينو إقامة الرَّبيع.
أمَّا أبو حنيفة فقد احْتَجَّ له أصحابه بأثر زعموا أَنَّهُ عن ابن عبَّاس وابن عمر قالا: "إِذَا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خَمس عشرة ليلة فأكمل الصَّلاَة بِها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها". قالوا: والأثر في مثله كالْخبر؛ لأَنَّهُ لا مدخل للرأي في المقدرات الشرعية.
وَالْجَوَاب: أن ما تَقدَّم من الآثار عن ابن عمر وغيره ينافي ما زعموا هاهنا وظاهر السُّنَّة جواز القصر ما دام مسافرا، فلا يقيَّد إِلاَّ بدليل، والله أعلم.
الأمر الثامن: في الْمُسَافِر إِذَا رجع من سفره
فإن كَانَ قد قصر خارج الأميال /131/ صَلَّى فيما دونها قصرا حَتَّى يصل عمران بلده.
وَقِيلَ: حَتَّى يصل سور الْمَنْزل أو باب القصر.
وإن كَانَ صاحب خُصٍّ فإلى أوتاده. أو صاحب بئر فإلى حيث يصل حرثها.
وَقَالَ الشيخ عامر: وهكذا كلّه عندي استحسان.
وَأَمَّا إن لَمْ يقصر الصَّلاَة خارج الأميال، وذَلِكَ كما إِذَا تعدى الفرسخين ثُمَّ دخلهما قبل وجوب الصَّلاَة، أو صَلَّى وراء الفرسخين صَلاَة لا قصر فيها كالفجر والْمَغرِب، أو صَلَّى الرباعية خلف مقيم، أو صَلَّى بثوب نجس، أو فسدت عَلَيْهِ صلاته بوجه من الوجوه ثُمَّ دخل الأميال ففي جواز القصر له قولان:
قيل: يقصر، وهو مَذهَب الْمَشَارِقة، فَإِنَّهُم لا يشترطون القصر خارج الفرسخين.
وَقِيلَ: يُتِمّ، وهو مَذهَب المغاربة، فَإِنَّهُم لا يُجيزون القصر داخل الأميال إِلاَّ بشرطين:
أَحَدُهُمَا: مُجاوزة الفرسخين، والآخر: القصر بَعْدَ مُجاوزتهما. فكأن القصر في الأميال عندهم مَبْنِيّ عَلَى القصر خارج الأميال.
واحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بصلاته - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة ليعلم أصحابه حدّ السفر، فَإِنَّهُ إِنَّمَا صَلَّى بِهم خارج الأميال.