مقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥أَمَّا أعمالُ الطاعات فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَبدِ أن يَنوي فِي كُلِّ عمل منها أن يَمتثله عِبَادَةً لله تَعَالىَ، وتَقرُّبا إِلَيه، فحَقِيقَة النيَّة فِي الطاعَة انبعاثُ القلبِ، والتحرِّي إِلَى مَرضاة الربِّ، فَ«نيَّة الْمُؤمِن خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» كما جاء الْحَدِيث، قَالَ: ومَعنَاهُ – والله أعلم – أَنَّ النيَّة فِي نَفسها خَير من الأَعمَال إِذَا كَانَت لا تصحُّ إِلاَّ بِها.
ونيَّة الْمُؤمِن اعتقاده طاعَة الله ولَو عاشَ ألف سنة، وإن مات دونها انقطع عمله ولَم تنقطع نيته، فإن نَوى بالطاعَة رياء وسُمعَة انقلبَت مَعصية، وَالله أعلَم.
والمباحاتُ تَنقلب طاعَة بالنيَّة، فلاَ يَنبغي للعاقلِ أَن يَتعاطَى أَفعَاله تَعاطِي البهائمِ الْمُهملَة، فتصدرُ أَفعَاله عنه بسهوٍ وغفلةٍ، فَأغلب حُظوظ النفسِ مِن المباحِ الأكل والنوم والنكاح؛ فَينوي فِي الأكل التقوِّي للجسم عَلَى العبادة، ويَنوي فِي النومِ استراحَة الجسم لينشَط للقراءة والعِبَادَة، ويَنوي بالنكاحِ تَحصين الفرج، وإحراز الدين، وطلب الولد لعِبَادَة الله تَعَالىَ تكَثِيرا لأمَّة مُحَمَّد - عليه السلام - ؛ فينبعي للعاقلِ المريد للآخرة أن يَقيس جَمِيعَ الأَفعَال الْمُبَاحَة عَلَى هَذِهِ الثَّلاَثَة المذكورة، ويُحسِّن النيَّة فِي جَمِيعها حَتَّى تصيرَ طاعَة لله تَعَالىَ وعِبَادَة.
وَأَمَّا المعاصِي /122/ فلاَ تُؤثِّر فِيها النيَّة، ولاَ تَنقلِبُ بِها لله تَعَالىَ قُربَة وطَاعَةً، مِثل مَن يَغتابُ إِنسَانًا تَطييبًا لِقَلبِ مُسلِم، أَو يُطعم فقيرا من مَالِ غَيره طلبًا لِلأجرِ، فهَذا كُلُّه جَهالةٌ وَاغترارٌ لِقولِ الرَّسُول - عليه السلام - : «إِنَّمَا الأَعمَالُ بالنيَّات».