الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤٨٣وَمِنهُم من قال: له أربعة أوطان لا غير، قياسا عَلَى الزوجات. وذَلِكَ: أن له أن يأخذ أربع زوجات، ويَجعل كُلّ وَاحِدَة في مكَانَ فهي أربعة أوطان.
وإن اتَّخذ أكثر من أربعة صحَّت له عندهم الأربعة الأُوَل ويبطل الْخَامِس كما تبطل الْخَامِسة من النِّساء. وهَذَا إِذَا لَمْ ينْزع عن بعضها، فإن نزع جاز أن يتبدَّل كما يَجُوز له أن يتبدَّل بالنساء غيرهنَّ، وهَذَا القياس فاسد:
أمَّا أَوَّلا: فإن حصر الأوطان عَلَى عدد الزوجات لا سبيل إليه، بل له أن يزيد وطنا خامسا يَجعله /141/ مع أمِّه أو أخته، وسادسا مع صديقه، وسابعا في بستانه.
وَأَمَّا ثانِيًا: فإنَّ تَحديد الْجمع بين الزوجات لا يشابِهه الْجمع بين الأوطان؛ لأَنَّ ذَلِكَ أمر غير معقول الْمَعنَى، وإن عقل معناه فالعِلَّة غير العِلَّة، والله أعلم.
وَمِنهُم من قال: له ثلاثة أوطان. وقد قيل لأبي سعيد: فأنت متخذ نزوى وسلوت وكدم وَطنا وتتمّ فيهنَّ الصَّلاَة؟ قال: هكذا وإنِّي عَلَى ذَلِكَ. وكَانَ اختياره -رَحِمَه الله- أَنَّهُ لا حدَّ للأوطان.
وَمِنهُم من قال: إن له وَطَنَيْنِ. قِيلَ: وهو أشهر قولِهم.
وَمنهم من قال: إن له وطنا واحدا؛ لأَنَّهُ لا يَكُون حاضرا غائبا، ومقيما مسافرا، ولا يدري متى يَمُوت أو يَخرج أو لا يخرج.
وأنت خبير أَنَّهُ لا دليل عَلَى شيء من هذه التحديدات.
وَأَمَّا التعليل بأَنَّهُ "لا يَكُون حاضرا غائبا… الخ"، فلا يفيد الْمَنع؛ إذ لا يلزم أن يَكُون الْمرء حاضرا في وطنه دائما؛ فكما أَنَّهُ يفارق وطنه الواحد للسفر فيبقى له الوطن فِيه وهو عنه غائب، فكذَلِكَ يفارق الوطنين والثلاثة وما فوق ذَلِكَ. والفرق بين مفارقة وطن واحد وبين مفارقة ما فوقه لا سبيل إليه، والله أعلم.
وَأَمَّا الْمَرأَة فلها وطن واحد؛ إذ ليس لها إِلاَّ زوج واحد.