معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 2 في الصلاة

الجزء ٦ · صفحة ٤٨٥

وإن كَانَ لا يخرج من أميال أَحَدِهِمَا إِلاَّ ويدخل في أميال الآخر ويَخرج فيه قول: إِنَّهُ /143/ لا يقصر حَتَّى يَكُون بَيْنَهُما أكثر من أربعة فراسخ، وذَلِكَ عَلَى رأي من لَمْ يرَ القصر داخل الأميال، وقد تَقدَّم ما فيه، والله أعلم.

الأمر السادس: فيمن قطع الأوطان عن نفسه

كسائح في عبادة لَمْ ينو الرجوع إِلَى وطنه، أو خارج في تِجارة، أو متردد في البلدان لا قرار له ولا مستقرّ، وما أشبه ذَلِكَ، فإن هَؤُلاَء كلّهم ليس لَهُم أن يقطعوا الأوطان عن أنفسهم؛ لِما تَقدَّم من أن ذَلِكَ يهدم بعض أحكام الشرع الْمتعلقة بالحاضر والْمُسَافِر.

ووددت أن يَكُون حظّ السائح من سياحته الإقامة في بلده، عَلَى أن لا سياحة في هذه الأمَّة وَإِنَّمَا سياحتها الْجِهَاد في سبيل الله، ورهبانيتها الْجُلوس في الْمساجد، فإن فعلوا ففي صلاتِهم وجهان -ذكرهما أبو سعيد وغيره-:

أَحَدُهُمَا: القصر أبدا حَتَّى يتَّخذُوا وطنا يتِمُّون فيه، وجزم به الإِمَام أبو إسحاق.

وثانِيهِمَا: أَنَّهُم يُتِمُّون حيثما نزلوا. قال أبو سعيد: ويعجبني إِذَا قعد اليوم أو اليومين مستريحا أن يتِمَّ، وَإِذَا سافر قصر.

وذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا بطل حكم الوطن عنه توجَّه إليه الْمعنيان لثبوت التمام والقصر في الْجُملَة، وأن كُلّ واحد منهما مرتبط بِمحلّ، فَلَمَّا زال الارتباط توجَّها إليه.

وهَذَا يتَّجه عَلَى قول من جعل كُلَّ واحد من القصر والتمام أصلا برأسه. وَأَمَّا عَلَى قول من جعل الأصل التمام فلا يتجه إِلاَّ التمام، وعلى قول من جعل الأصل القصر فعَلَيْهِ القصر.

وَأَقُولُ: إِنَّ التَّمَام أَوْلَى بِمِثلِه إن لَمْ يكن له وطن البتة؛ لأَنَّ القصر لا يثبت إِلاَّ بثبوت السفر، والسفر لا يثبت إِلاَّ بثبوت /144/ الوطن، وقد شرع الله القصر رخصَة للمسافر، وجعله عزيمة عَلَيْهِ، وهَذَا الرجل لَمْ يَحصل له معنى الْمُسَافِر لقطع الوطن فعَلَيْهِ فالتمام.

٢٬٢٥٤ / ٣٬٧٥٢