الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤٩٨وَأَمَّا القائلون: بِجواز جَمع التأخير دون التقديم، فكأَنَّهُم نظروا إِلَى أنَّ تأخير الأُولَى أيسر من تقديم الثانية؛ لأَنَّهُ إِذَا صلاَّها في وقت الثانية فقد صلاَّها بَعْدَ وُجُوبِها إجْماعا. وإن قدَّم الثانية يَكُون فاعلا لَها قبل وُجُوبِها، ولا قائل بِجواز تقديم الصَّلاَة عن وقتها.
وَالْجَوَاب: أن السنَّة أباحت ذَلِكَ، وَلَمْ نعلم أحكام الشرع إِلاَّ من هنالك، وقد ثبت «أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّة يؤخِّر الأُولَى، وتارة يقدِّم الثانية»، فلا معنى لِهَذَا الاعتبار.
وَأَمَّا القول بِجوازه في السفر الطويل دون القصير، فحُجَّتهم أن الْجمع إخراج عبادة عن وقتها، ولا يَصِحّ إِلاَّ في الطويل.
وَالْجَوَاب: لو امتنع فِي القصير لِهذه العِلَّة لامتنع في الطويل أيضا؛ لأَنَّ الْمَعنَى واحد، وَلَمْ تفرِّق السُّنَّة بين طويل وقصير، فما اعتبرتُموه من الْمُنَاسب غريب لا يقبل، والله أعلم.
تنبيهان:
الأَوَّل: [في وقت الْجمع بين الصلاتين]
اختَلَف القائلون بِجواز الْجمع للمسافر في وقت الْجمع بين الصلاتين:
فذَهَبَ أصحابنا والشافعي وإسحاق: أن من كَانَ له القصر جاز له الْجمع إن شاء في وقت الأُولَى، وإن شاء في وقت الآخرة.
قال أبو سعيد: ويستحب لِمَن كَانَ في مكنة من أمره إِذَا شاء الْجمع أن يؤخر الأُولَى ويقدِّم الثانية ويُصَلِّي بين الوقتين. وإن كَانَ /158/ نازلا وأراد الرحيل استحبّ له أن يَجمع الصلاتين في الأُولَى لِما يدخل عَلَيْهِ من شغل السفر. وإن كَانَ سائرا استحبّ له أن يؤخر الْجمع إِلَى وقت الآخرة؛ لأَنَّهُ أفرغ للصَّلاَة. ويَدُلُّ عَلَى هَذَا حديث ابن عبَّاس الْمتَقدِّم قريبا.
وقالت طائفة: إِذَا أراد الْمُسَافِر أن يَجمع بين الصلاتين أخَّر الظهر وقدَّم الْعَصْر، وأخَّر الْمَغرِب وعجَّل العشاء وجَمع بَيْنَهُما.