الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٧ · صفحة ٦٤وقال الشافعية: فعلها في الْمَسجِد الْحرام وبيت الْمقدس أفضل من الصحراء تبعا للسلف والْخَلف ولشرفهما، وهو الذي يقتضيه كلام أبي إسحاق، وتبعته في النظم.
زادت الشافعية علَّتين: إِحدَاهُما: سهولة الْحضور إليهما، والثانية: اتِّساعهما.
ونَحن لا نرى ذلك علَّة؛ فلو صلُّوا في الصحراء مع وجود الْمَسَاجِد الْمتَّسعة كان مستحبًّا عندنا؛ لأَنَّه السنَّة وخلاف الأولى عند الشافعي لتركه الْمَسَاجِد الواسعة مع سهولة الْحُضُور إليها.
وليس هَذَا بشيء؛ فإن مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واسع، والْجُمَعَة تصلَّى فيه، ومع ذلك فقد خرج وأمر بالْخُروج، والْحَال يَدُلُّ أن الْمَطلُوب يومئذ غَاية الظهور.
واستظهرَ بعض الْحَنفِية أن يكون الْمعتمد من القول أن يصلَّى في مَكَّة في الْمَسجِد الْحرام عَلَى ما عليه العمل في هذه الأَيَّام. قال: وَلَمْ يعرف خلافه منه -عليه الصَّلاَة والسلام- ولا من أحد من السلف الكرام، فَإِنَّهُ موضوع بحكم قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ لعموم عباداتهم من صلاة الْجَماعة والْجُمَعَة والعيد والاستسقاء والْجَنَازَة والكسوف والخسوف، وهو وجه ما قيل: إن الصَّلاَة عَلَى الْمَيِّت غير مكروهة في الْمَسجِد الْحرام.
قال: وَلَعلَّه لِهَذَا عبّر عنه بالْمَسَاجِد في قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾، والْمُرَاد به هَذَا الْمَسجِد باتِّفَاق الْمفسِّرين. فإيراده بصيغة الْجَمع إِمَّا لِما ذكر، أو لكون ما فيه -وهو الكعبة- قبلة الْمَسَاجِد، أو لأَنَّ له جهات أربعا فكَأَنَّ كُلّ جهة مسجد، وهذه /228/ الْخصوصيَّة له من بين سائر الْمَسَاجِد.
والْخُروج إِلَى الصحراء إِنَّمَا يكون عند الأمن ورفع الضرّ؛ فإن خيف ضرر من عدو أو ريح أو مطر أو تقيَّة أو نَحو ذلك صلُّوا في جامع البلد؛ لأَنَّه موضع مُجتمعهم.