الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٦والدليل عَلَى ثُبُوتِ الاستتار ما رُوِيَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ لرجل: «احفَظ عَورَتَك إِلاَّ مِن زَوجَتكَ أَو مَا مَلَكَت يَمينُكُ» ورُوِيَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُول: «لاَ يَخرجُ الرَّجُلاَنِ يَضرِبَانِ الغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَورَتَهُمَا يَتحَدَّثانِ، فإنَّ الله يَمقُتُ عَلَى ذَلِكَ».
وكان الحسن يَنهى النَّاس عن كَشف عَوراتِهم للاستنجاء ويَقُول: بَلَغني أَنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَعنَ الله الناظِرَ وَالْمَنظُورَ».
وكان علي يَقُول: "لَئن أُنشَر بِالمناشيرِ أحَبّ إِلَيَّ مِن أن أَرى عَورَة أحدٍ أَو يَرى عَورَتِي".
قَالَ أبو سَعِيد: معي أَنَّ هَذَا كُلّه يخرج عَلَى مَعْنَى الأدب فِي المبالغة فِي حفظ الْعَورَة وسترها فِي جَمِيع الأحوال، ومعي أَنَّه مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كراهية إظهار الْعَورَة عِندَ جَمِيع ذوات الأرواح من معاني الأدب، وَهَذَا منه -رحمه الله تَعَالىَ– بَيَان للحكمة فِي ذَلِكَ.
ولَيسَ الْمُرَاد من الأدب ما يتبادر إِلَى الأذهان؛ بل الْمُرَاد به ما يعم الْوَاجِب والْمُستَحَبّ، فإن إظهار الْعَورَة للناس حرام، وللبهائم مكروه، والكل أدب؛ فكَلاَم أبي سَعِيد محمول عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
ويُؤمَر أن يطلب لبوله مكانا سهلا؛ لِما رُوِيَ عن جابر عن ابن عباس - رضي الله عنه - ا: أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بينما هو يمشي فِي طريق إذ مال إِلَى دمث فبال، وقال: «إِذَا بالَ أَحَدُكُم فَليَرتَد لِبولِه»، (والدمث: المكان السهل اللين، وقَوله: «فَليرتَد لِبوله» يعني: أَنَّهُ يَرتاد مَكانًا لَيِّنا لَيسَ بِصلب فينضح عَلَيه، أَو مُرتفع فيرجع إِلَيه.
ويُؤمَر أن يَحتفر للبول حُفرة يُفرّق بَينَهُ وبين الغائط؛ لأَنَّ اختلاطهما قيل: إِنَّه من الذنوبِ التي تَحجب الدعاء عن القبول، وتُورث الوساوس.