الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١٠ومَعْنَى ذَلِكَ فِيما قيلَ: إنَّ الحفظَة عَلَيهم السَّلاَم إِذَا كَشفَ المرء عَن عَورته فِي أحدِ هَذِهِ المواضعِ غَضُّوا عَنه أبصارهُم، فَإِذَا أَقبلُوا إِلَيه لِيحفَظوا عَلَيه، فَإِذَا كَانَ مُنكشفًا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُؤذيهِم؛ لأَنَّهم كِرام الأخلاَق، وَأَمَّا جَمِيع ذِكر الله فلاَ يُكرَه فِي أيِّ مَوضع كانَ.
وحَاصلُ كَلاَمِه -رحمه الله تَعَالىَ–: أَنَّ ذِكر الله فِي الْخَلاَء مَكروه لإيذاءِ الْمَلاَئِكَة -عَلَيهم السَّلاَم- لا لِنفسِ الذكرِ، فَإنَّهُ جائز وفضَل مُطلَقًا، فالكراهيَّة إِنَّمَا هي لإيذاء الْمَلاَئِكَة فَقَطْ.
ويُنهَى أن يتمخَّط وأَن يَبصق وأن يتسوَّك وهو عَلَى الْخَلاَء.
قال أبو عَلِي: ما أرَى بأسًا أن يَستاك الرجُل وهو عَلَى الغائط، ونُحبُّ أَن يَكُون ذَلِكَ بعد فَراغه.
وإن قَام مِن نَومه مُصبِّحا وخافَ أن يَفوتَه السواك، فَنرجو أن يَجُوزَ له ذَلِكَ إن شاء الله تَعَالىَ.
واعْلَم أَنَّه إِنَّمَا أَرَادَ بِالجوازِ رَفع الحرجِ الذِي هو الإِثم، أي: لا إِثْم عَلَى مَن فعل ذَلِكَ خُصوصا لِمن خافَ أَن تَفوتَه فَضيلة التسوُّك الْمَأمُورِ بِفعله أمرًا مُؤكّدًا، فإنَّ فِعل هَذِهِ الفضيلة أَولَى مِن مُرَاعَاة الأدَب.
وأقولُ: إِذَا أُمرنَا بشيء أمرًا مُطلَقًا ثُمَّ نُهينَا عَن فِعله فِي وقت مَخصُوص فمُرَاعَاة الأمر فِي مَحلِّه، ومُرَاعَاة النهيِ فِي وقته هو الْمَشرُوع كما كَانَ ذَلِكَ فِي الصَّلاَة، فَإنَّهَا خَير مَوضع، وقد نُهينا عَن فعلها فِي أوقاتٍ مَخصُوصة، فَالأمر إِنَّمَا هُو فِي وَقته، وَالنهي يَكُون فِي وقته، ولَيسَ لأحدٍ أن يُصَلِّي النافلَة فِي وقتٍ نَهى الشارع عن فِعلها فِي ذَلِكَ الوقت؛ لئلاَّ يفوته فَضل تِلكَ النافلة، فكَذَلِكَ السواك.