الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١٢والْمُرَاد أَنَّ النظر الْمَكرُوه إِنَّمَا هو النظر بالاختِيَار، والْمَروِِي عن ابن عَبَّاس ومَن بَعده إِنَّمَا هُو إخبارٌ عَن الحال التي يَضطَرُّ إِلَيها الإِنسَان، وهي الالتفاتَة إِلَى الْحدَث بغير اختِيَار، وَالله أعلَم.
وَفي الضيَاء أَيْضًا: النهيُ عن النظر إِلَى الفروجِ وعَن القيامِ حَتَّى يعلَم أَنَّهُ قَضَى حاجته، وَهَذَا إِنَّمَا هُو عَلَى طريق الأدب.
و«نَهى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن البولِ قَائما إِلاَّ لعذر»، وكَانَت عَائشة تَقول: مَن حدَّثكم أَنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَبول قَائما فلا تُصدِّقوه، ومَا كَانَ يَبول إِلاَّ قاعدا.
وكانَ ابنُ عمر يَقُول: مَا بلتُ قائمَا مُنذ نَهانِي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ رَآني أبولُ قائما، فَقَالَ لي: «يَا ابنَ عُمَر، لاَ تَبُلْ قَائمًا».
وكانَ ابن مَسعُود يَقُول: إِنَّ مِن الجفا أن تَبول وأنتَ قائم، ورُوِيَ ذَلِكَ عَن الشعبي.
وكان سَعد بن إبراهيم لاَ يُجيز شَهادة من بَال قائما.
وَقيل: إِن كَانَ البول فِي مَكان لا يتطَاير عَلَيه مِنه شَيْء فلاَ بأس، وإن كَانَ فِي مَكان يتطايَر عَلَيه مِنه شَيْء، فَهُوَ مَكروه، ونُسِب هَذَا الْقَول إِلَى مالك.
قال صَاحِبُ الإشراف: البولُ جالسا أحبّ إِلَيَّ، والبول قائما مُبَاح.
قالَ أبو سَعِيد: كُلُّ ما قيل فِي هَذَا فَهُوَ خَارج مَعي عَلَى مَعْنَى المبالغة فِي الأدب، وثُبُوت ما يَحسن من الأخلاق، وكلَّما بالغ الإِنسَان وذَهَبَ بنفسه إِلَى حُسن الأخلاقِ لله كَانَ أرجَى له أَن يُتِمَّ الله عَلَيه نِعمَه، ويَصرف عنه نِقَمَه.
وَأَمَّا قَول مَن قَالَ: "لا تُقبَل شَهادته"، فلاَ يَخرج عندي إِلاَّ عَلَى مَخصُوص من الأُمُورِ، وقد يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الاعتبار فِي أحدٍ بِعينه.