الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٧ · صفحة ٢٦٣نعم، ينبغي لسالك طريق الآخرة أن يجتهد في العبادة من الصَّلاَة وغيرها بقدر الطاقة، ويختار سبيل الاقتصاد في الطاعة، ويحترز عن السلوك عَلَى وجه السآمة والملالة، فإن الله لا ينبغي أن يناجى عن ملالة وكسالة.
وإذا فتر وضعف قعد عن القيام واشتغل بنوع من الْمباحات من الْكَلاَم والمنام عَلَى قصد حصول النشاط في العبادة؛ فَإِنَّه يعدّ طاعة وإن كان من أمور العادة؛ ولذا قيل: "نوم العالِم عبادة". ومنه قوله -عَلَيْه الصَّلاَة والسلام- لعائشة: «كَلِّمِينِي يَا حُمَيْرَاء».
وَقِيلَ: إن الصالِحين يُجزِّؤون الليل عَلَى ثلاثة أجزاء: فالْجُزء الأوَّل: لأداء الفرائض من الصَّلَوَات وذكر الله وما يَحتاجون إليه. والثلث الأوسط: ينامون فيه. والثلث الثالث: يقومون فيه للذكر والعبادة، واللهُ أَعلَم.
التَّنبِيه السابع: في الْمبادرة إِلَى الْخير
اعلم أن الصَّلاَة خير موضوع، من شاء فليقلل وما شاء فليكثر، وهي كنز لا ينفد، وذكر لا يبلى، من لاح له من فعلها شيء فليغتنمه وليبادر إليه فَإِنَّه لا يدري متى يُحال بينه وبين ذلك. ومن استكثر من فعل الْخير كان ذخرا له وزيادة في ثوابه.
وقد قيل: إن أفضل النفل ما يكون فيه نشاط النفس، وحيث ما كان ذلك فاغتنمه في مسجد أو في غيره، من منزل أو جبّان أو سائر الْمَواضِع، في جَماعة أو منفردا؛ فإنَّك لا تدري متى تَجد ذلك من نفسك، فلا تؤخره إِذَا لاح وحضر. وكَذَلِكَ جَمِيع الْخيرات إِذَا عرضت فاغتنمها ولا تؤخِّرها لساعة بعد ساعة فإن للساعة الآتية عملا آخر، واللهُ أَعلَم.
التَّنبِيه الثامن: في تفضيل العمل حال الانشراح أو العكس
وقد اختلف في ذَلِكَ:
فَقِيلَ: أفضل الطاعة ما /436/ انشرح لَهَا الصدر. وَقِيلَ: ما حملت نفسك عَلَيْها؛ لأَنَّها أشقّ عَلَى النفس؛ وفي الْحَدِيث «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا»؛ أي أشقُّها.