الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٧ · صفحة ٢٦٤وَقِيلَ: إن أحوال النفس تَختلف: فإن كان جبرها يفضي إِلَى السآمة والملل فانتظار حال الانشراح أفضل. وإن كان يفضي إِلَى النهوض إِلَى الْخيرات والمسارعة إِلَى الدرجات فحملها عَلَيْه أفضل.
وَلاَبُدَّ من مراعاة الأحوال فَرُبَّمَا يؤدي الرفق إِلَى التساهل والبطالة فيعود من الربح إِلَى تَحصيل رأس الْمال.
وهذا القول أسيس في النظر فإن قائله قد لاحظ الأحوال.
وكان أبو خليل -رحمه الله- يَمضي إِلَى الْمَسجِد يَمكثُ فيه ما شاء الله يُصَلِّي ثُمَّ يرجع مسرعا، فقالت له امرَأته: لِمَ تفعل ذلك يا شيخ؟ فقال لَها: للنفس إقبال وإدبار؛ فإذا وجد الرجل في نفسه إقبالا اغتنم واجتهد، وإذا لَمْ يَجد في نفسه تَمسَّك بالفرائض وأداها حَتَّى ينشط لئلاَّ يَمَلَّ.
وكان شيخه أبو منيب مُحمَّد بن يانس -رحمه الله تَعَالَى- أشدّ حَملا للنفس عَلَى مشاقِّ العبادة. فمن ذلك أَنَّهُ لَمَّا رَحلوا هو وأبو الحسن وأبو الْحسن الأبدلاني والشيخ مهدي من نفوسة إِلَى الإِمَام عبد الوهاب، طَالب أصحابه أن يلي أمر خدمتهم لِما يرجو فيه من الثواب فأجابوه إِلَى ذلك، فكان إِذَا نزلوا قيَّد خيلهم واشتغل بعشائهم، ثُمَّ إِذَا صلُّوا وتَمّوا أورادهم وناموا أخذ في الصَّلاَة إِلَى طلوع الفجر.
فَلَمَّا رأوا ما تَحمَّل من الْمشقَّة، قالوا: اترك قيام الليل أو خدمتنا، وعَزموا عَلَيْه بترك أحدهما، قال: ترك خِدمتكم مِمَّا لا سبيل إليه، وَأَمَّا قيام الليل فذروني أصلِّي رَكعتَين فسامَحوا في الرَّكعتَين فقرأ بنصفِ القرآن في ركعة، وبالنصف الآخر في ركعة، وطلع الفجر فَلَمَّا نظروا إِلَى ذلك، قالوا: ارجع /437/ إِلَى عادتك، فرجع إليها.
ونظر إليه بعضهم في ليلة باردة ذات مطر، والريح تضرب بثوبه رجليه، والْمَطَر نازل عَلَيْه وهو قائم في الصَّلاَة فقال: إن لَمْ يدخل الْجَنَّة إِلاَّ من فَعل فِعلك أَخذته الوحشة.