الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٦قال الغزالي: "واعلم أن شدة الألم في سكرات الْمَوت لا يعرفها بالْحَقِيقَة إِلاَّ من ذاقها، ومن لَمْ يذقها فَإِنَّمَا يعرفها /10/ إِمَّا بالقياس إلى الآلام التي أدركها، وَإِمَّا بالاستدلال بأحوال الناس في النزع على شدَّة ما هم فيه. فَأَمَّا القياس فهو أَنَّ كُلّ عضو لا روح فيه فلا يُحِسّ بالألم، فإذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح، فمهما أصاب العضو جرح أو حريق سرَى الأثر إلى الروح، فبقدر ما يسري إلى الروح يتألَّم، والْمُؤلم يتفرق على اللحم والدم وسائر الأجزاء، فلا يصيب الروح إِلاَّ بعض الألم، فإن كان في الألَم ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره، فما أعظم ذَلِكَ الألَم وما أشدّه، ولذا كان الْمَوت أشدّ من ضرب بالسيف، ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض؛ لأَنَّ قطع البدن بالسيف إِنَّمَا يؤلم لتَعَلّقه بالروح فكيف إذا كان الْمتناول الْمباشر نفس الروح.
وإِنَّمَا يستغيث الْمضروب ويصيح لبقاء قُوَّته في قلبه وفي لسانه، وَإِنَّمَا انقطع صوت الْمَيِّت وصياحه مع شدَّة ألَمه؛ /11/ لأَنَّ الكرب قد بالغ فيه وتصاعد على قلبه وبلغ كُلّ موضع منه فهدَّ كُلّ قوَّة، وضعَّف كُلّ جارحة فلم يترك له قوة الاستغاثة.
أَمَّا العقل فقد غشيه وشوشة، وأَمَّا اللسان فقد أبكمه، وأَمَّا الأطراف فقد ضعَّفها، ويودُّ لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة ولكنَّه لا يقدر على ذَلِكَ، فإن بقيت فيه قُوَّة سُمِعت له عِندَ نزع الروح وجذبها خوارا وغرغرة من حلقه وصدره، وقد تغيَّر لونه واربدَّ حَتَّى كأنَّه ظهر منه التراب الذي هو أصل فطرته وقد جذب منه كُلّ عرق على حياله.