الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٤وعلى كُلّ حال ففي ذكر الْمَوت ثواب وفضل، فإنّ الْمنهمك -أيضا- يستفيد بذكر الْمَوت للتّجافي عن الدنيا إذ ينغّص عَلَيهِ نعيمه، ويكدّر عَلَيهِ صفو لذَّته، وَكُلُّ ما يكدر على الإنسان اللذات والشهوات فهو من أسباب النجاة، والله أعلم.
الْمَسأَلَة الْخامسة: في تَمَنِّي الْمَوت
وهو: أن يتمنَّاه ضجرا من الْحَياة، أو تضجُّرا من مرض نزل به، وَإِمَّا أن يتمناه لخوف فتنة في الدين، أو اشتياقا إلى لقاء رَبِّه.
فالأَوَّل منهيٌّ عنه لِحديث أنس: قال /24/ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لاَبُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحيِنِي مَا كَانَت الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَت الوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
وعن أنس أيضا: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ» أي: يَتُوب.
والثاني جائز؛ لقوله تعالى مخبرا عن يوسف - عليه السلام - لَمَّا نال الرسالة والملك: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وقالت مريم عليها السلام: ﴿ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا…﴾. وقال أبو هريرة: قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ»، وفي الْحَدِيث أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، /25/ وَإِذاَ أَرَدْتَ بِالنَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ».