الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٠وَلَمَّا مرض أبو الشعثاء جابر بن زيد - رضي الله عنه - عاده الْحَسن البصري، فوجده /32/ وهو في النزع، فقال له: يا أبا الشعثاء، قل: لا إله إِلاَّ الله فسكتَ ثُمَّ عاد عَلَيهِ الكلام مرارا، فقال له جابر: أنا من أهلها، ولكن أعوذ بالله من غدوٍّ أَو رواح إلى النار، ثُمَّ قال له: يا أبا سعيد، أخبرني عن آية خروج نفس الْمُؤْمِن، فقال له الْحسن: إن آية خروج نفس الْمُؤْمِن بَردٌ يَجِدُه على قلبه، ونفس طَامعة، فقال له جابر: اللَّهُمَّ إِنِّي أَجِد بَردا على قلبي، ونفسي طَامعة في ثوابك لِكرمك، اللَّهُمَّ حقِّق رجاءها، وآمِن مَحذورها، وما أفاض بعدها بِكلام، فقال الْحسن: مَا أفقهه ولو عِندَ الْمَوت.
وَيَدُلُّ على الثاني: ما في بَعض الروايات من حديث جابر بن عبد الله: «(لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُم إلاَّ وَهُوَ يُحسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ) فإنَّ قَومًا قَد أََرْدَاهُم سُوءُ ظَنِّهم بِالله»، فقالَ لَهُم الله تَعَالَى: «﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾».
وقد يَحصل للعبد حسن الظنِّ بربِّه، وهو سالِم من الْمرض، ثُمَّ يقع في سوء الظنِّ بالله تَعَالَى، في مرضه ويموت على ذَلِكَ، فيجني ثَمرته من عدم رحمة الله تَعَالَى له، /33/ وعدم التجاوز عنه، وعدم الْمغفرة لذنوبه، نسأل الله العافية لنا، ولِجَمِيع الْمُسلِمِين.
فينبغي لِكُلِّ من حضر مَريضا على الْمَوت، أن يذكره بِحسن الظنِّ بالله تَعَالَى، ليموت على ذَلِكَ، وكان ابن عباس يقول: "إذَا رَأيتُم الرَّجلَ قد حَضره الْمَوت فَبشِّروه ليلقى رَبَّه وهو يُحسن الظنَّ به، وإذا كان صحيحا فخوِّفوه".
وكان الفضيل بن عياض يقول: "الْخوف أفضل من الرجاء إذا كان العبد صحيحا، فإذا نزل بِه الْمَوت فالرجاء أفضل من الْخَوف".