الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٧١ويعترض بأَنَّه يُمكن التفرقة بينهما بأن يقال: إن الْمَوت أشدّ حدثا من حدث الأحياء، ولذَلِكَ شرعت له /121/ الثلاث الاغتسالات باتِّفَاق منَّا ومنكم، وَإِنَّمَا اختلفنا في وصفها بالوجوب.
والْجَوَاب إِنَّمَا تَصِحّ التفرقة إن لو سلَّمْنَا أَنَّ الغسل إِنَّمَا وجب لأجل النجاسة، فأَمَّا إذا قلنا: إِنَّه عبادة لا يعقل معناها فلا تفرقة؛ لأَنَّ الكلّ عبادة قصد منها التنظيف.
فإن قيل: إنَّ مذهب أصحابكم أن الْمَيِّت نَجِس حَتَّى يطهر فتلزمكم التفرقة.
قلنا: ليس الْمَذهَب مَحصورا في ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هو قول لبعضهم، وقد صرَّح آخرون بأَنَّه طاهر فغسله تعبُّد، وإن نسب أبو مُحمَّد إليهم القول الأَوَّل فقط فكثيرا ما يتساهل في النسبة وحكاية الإجماع والاتِّفَاق.
سلَّمْنَا، فَمن [أين] لكم بأن نَجاسة الْمَيِّت أشدّ من سائر النجاسات.
ويُعتَرَض بأَنَّه إن سلَّمتم أنَّ الغسل للنجاسة فقد ثبت التفاوت في النجاسة اتِّفَاقا.
وأيضا: فقد قيل: إِنَّه لا يُجزئ في غسل النجاسة أقلّ من ثلاث غسلات فيكون هذا مثله، ولا جواب عَن هذا الاعتراض إذا سلَّمنا أن الغسل /122/ للنجاسة.
والوجه الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم - لأمّ عطيَّة: «إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ»، فإِنَّه فَوَّضَ الأمْرَ إِلَيْهنَّ ولا يكون التفويض إِلاَّ فيما يباح تركه.
وَرُدَّ: بأنَّ قوله: «إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» عائد إِلَى نفس الغسل لا إِلَى الثلاث فقط؛ لأَنَّ قوله ثلاثا غير مستقِلّ، فيلزم إِمَّا القول بوجوب الثلاث، وَإِمَّا القول باستحباب الغسل من أصله.
ويُجَاب: أن نقول بأنَّ ذَلِكَ عائد إِلَى الغسل الْموصوف بالثلاث لا إِلَى مطلق الغسل فإِنَّه واجب من قوله - صلى الله عليه وسلم - : «اغسِلُوا مَوتَاكُم»، فدلَّ حديث أمّ عطيَّة عَلَى استحباب الثلاث، والْحَدِيث الآخر عَلَى وجوب نفس الغسل.