معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 3 في الجنائز

الجزء ٨ · صفحة ٩٧

فَالْجَوَاب من وجهين: أَوَّلاً: إن قوله: (أَقَلُّ مَا يُجزِئ…) مَحمول عَلَى موضع الضرورة، وقوله الثاني مَحمول عَلَى موضع الاختيار.

وثانيهما: أَنَّ قوله الأَوَّل بيان لقدر الواجب، وقوله الثاني بيان لأقلِّ الْمسنون.

والْمَعنَى: أن من ستر العورة فقد أدَّى ما وجب عليه، ومن ستر البدن كله فقد أدَّى الواجب وبعض السنَّة؛ لأَنَّ ستر الْجَمِيع سنَّة، والعدد الْمَذكُور سنَّة أخرى.

ويُبحث في الوجه الأَوَّل: بأنَّ الضرورة لا حدَّ لَهَا فلا تقيّد بِما يستر العورة؛ بل الواجب معها أن يفعل ما يُمكن فعله فقط، حَتَّى أَنَّه لو لَمْ يَجد له كفنا أصلا دفنه كما أمكن، فلا معنى /169/ للتقييد بالضرورة.

والْجَوَاب: أن الضرورة أنواع، بعضها يكون الْحكم فيه كما ذكرتم وهي أشدّ الأنواع، وبعضها لا يبلغ هذا الْمبلغ وهي أن يَجدوا من ماله ما يستر عورته دون غيرها، فإِنَّه في هذا الْمَوضِع لا يلزم القائمين أن يشتروا من أموالهم ثوبا يستر جَميع البدن، فقد اقتصر عَلَى ما وجد للضرورة التي هي قلَّة التركة، فلو ترك ما يُجزِئ لكفنه التام كانوا يؤمرون بتكفينه به لانتفاء تلك العِلَّة التي هي العدم.

فإن قيل: إذا كان ذَلِكَ أقلّ الواجب فلا يلزم القوم أن يزيدوا عَلَى الواجب، فكيف يؤمرون بالثوب التام؟!.

قلنا: إِنَّمَا أمروا بذَلِكَ لتمام السنَّة.

فإن قيل: وكذَلِكَ أيضا يؤمرون بتمامها إن لَمْ يترك إِلاَّ ما يستر العورة.

قلنا: ليس الأمران سَواء؛ بل الأَوَّل أأكد تأكيدا؛ لأَنَّه لا يَرجع إِلَى أموالهم، والثاني مرغب فيه؛ لأَنَّه بِمنزلة التطوُّع، وهذا كُلّه /170/ عَلَى القول الذي ذكره أبو إسحاق، وهو أن أقل الكفن ما يستر العورة، وأَمَّا عَلَى قول غيره فالواجب ثوب شامل لِجَمِيع الْجَسَد، وَاللهُ أَعلَم. وفي الْمَقَام مَسائِل:

الْمَسأَلَة الأَوَّل: في أقلّ ما يُجزِئ من الأكفان

٢٬٦٦٩ / ٣٬٧٥٢