الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١١٥والْجَوَاب عن الاحتمال الأَوَّل أَنَّه إن كان لَمْ يبلغها فقد بلغ غيرها، ولا حظ للنظر عِندَ ورود الأثر عن سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه. وعن الاحتمال الثاني أنَّ الخصوصية لا تثبت إِلاَّ بدليل، كيف وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ كَحُكْمِي عَلَى الْجَمَاعة». وعن الاحتمال الثالث أَنَّه لا يُظَنّ بعائشة أنَّها ترجِّح قياسها عَلَى خبر صحَّ معها عن رَسُو ل الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإن قال /202/ بترجيح القياس عَلَى خبر الآحاد جَمْع من الأصوليين؛ فإنَّ الصحابة كانوا عَلَى خلافه، فقد كانوا يبحثون عن القضية فإن وجدوا فيها أثرا عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، رجعوا إليه وتركوا نظرهم، وإن لَمْ يجدوا فيها شيئا، اجتهدوا رأيهم، وصار ذَلِكَ معروفا مشهورا فيما بينهم حَتَّى جعله بعضه إِجْمَاعًا أخذا من أحوالهم فإِنَّهم ما بين عامل ومصوِّب وساكت لَمْ ينكر، وبنوا عَلَى ذَلِكَ قاعدة قالوا فيها: "لا حظ للنظر عِندَ ورود الأثر"، والْمُرَاد به الأثر عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وإن أشكل عَلَى جمع من العلماء المتقدّمين والْمُتأخِّرين معنى هذا الكلام فظنُّوا أنَّ الْمُرَاد بالأثر ما وجد من الأقوال في الكتب مأثورا، ويأبى الله أن يكون ذَلِكَ فإِنَّه لو صحَّ هذا التوهّم لبطل الاجتهاد؛ لأَنَّه /203/ يقتضي وجوب اتِّبَاع الْمجتهد الثَّانِي للأَوَّل وإن رأى خلاف ما رأى، وهذا لا يصِحّ.
وسبب الإشكال: اختلاف الاصطلاح في معنى الأثر، فإِنَّه في الزمان الأَوَّل يطلق عَلَى الْمَنقُول عن رَسُول - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ تغيَّر ذَلِكَ في الزمان الثَّاني فأطلق عَلَى الْمَنقُول عن الصحابة خاصَّة، ثُمَّ تغيَّر في الزمان الآخر فأطلق عَلَى كُلّ منقول مرسوم عن الأشياخ في الكتب.