الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٢٤الشفاعة له عِندَ ربِّه لِحديث أبي هريرة: أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ هَذِه الْقُبُورَ مَملُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُم بِصَلاَتِي عَلَيْهِمْ».
وقال كريب مولى ابن عباس: مات ابن لابن عباس بقديد أو بعسفان فقال: "يا كريب انظر ما اجتمع له من الناس"، قال: /219/ فخرجت فإذا أناس قد اجتمعوا له فأخبرته فقال: "تقول هم أربعون"؟ قال: "نعم"، قال: "أخرجوه"، فإنِّي سَمِعت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً لاَ يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إِلاَّ شَفَّعَهُمْ اللهُ فِيهِ».
وعن عائشة عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيهِ أُمَّة مِنَ الْمُسلِمينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلاَّ شَفَعُوا فِيهِ»، ولا منافاة بين الْحَدِيثين؛ لأَنَّ السبيل في مثل هذا المقام أن يكون الأقل من العددين مُتأخّرا عن الأكثر؛ لأَنَّ الله تَعَالَى إذا وعد الْمغفرة لِمعنى لَمْ يكن من سُنَّته النقصان من الفضل الموعود بعد ذَلِكَ بل يزيد تفضلا، فيَدُلُّ عَلَى زيادة فضل الله وكرمه عَلَى عباده، ويَحتمل أن يكون الْمُرَاد بِهما الكثرة، إذ العدد لا مفهوم له.
فإن قيل: إن هَذِه الفائدة ظاهرة في /220/ الولي الْمَعلُوم حاله، فإِنَّه يدعى له بالمغفرة والرحمة، خَفِيَّة في الفاسق ومَجهول الْحَال فإِنَّه لا يدعى لَهما بشيء من ذَلِكَ، والصلاة مشروعة عَلَى الكلّ. قُلنَا: نفس الصلاة هي الشفاعة لا خصوصية الدعاء.
فإن قيل: إذن تكون هَذِه الشفاعة لغير الولي، بل للفاسق في بعض الأحيان!؟ والله تَعَالَى يقول: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَ لِمَنِ ارْتَضَى﴾، ويقول: ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾.