مقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢٧حَكى الفخر أَيْضًا عن فريق من العلماء أَيْضًا أَنَّهُم قالوا: "الاشتغالُ بِحمد الله سوءُ أدب"، وهذا الفريقُ وإن كانت مقالتهم فِي الشناعة دون مقالَة من قبلهم، فهي لَعمري شنيعة جدًّا، فكيف يُعدُّ سوء أدب ما أمر الشارع بفعله؟ وهل هذا إِلاَّ مَحض معارضة للنصوص القُرْآنيَّة والسنَّة النبويَّة؟ قال تَعَالىَ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ فكيفَ يأمرُ ربُّنا تَعَالىَ أحبَّ عباده إليه أن يفعل شَيْئًا، ثُمَّ يَزعم هَؤُلاَء بأنَّ ذَلِكَ الحال سوء أدب؟ وهل هذَا إِلاَّ مكابرة للنصِّ الصريح الْمُحكم؟ وَفي حديث عائشة فِي حديث أهلِ الإفك قالت: «فلمَّا سُرِّيَ عَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانَ أَوَّل كلمةٍ تكلَّم بِها: يَا عَائِشَة، احْمَدِي اللهَ فَقَد بَرَّأكِ اللهُ…» وهو حَديث طويل، وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «وَالذِي نَفسِي بِيَدِهِ إنِّي لأَرجُو أَن تَكُونُوا ثُلُثَ أَهلِ الْجَنَّةِ» فَحمدنا الله وكَبَّرنا، ثُمَّ قال: «وَالذِي نَفسِي بِيَدِهِ إنِّي لأَطمَعُ أَن تَكُونُوا شَطرَ أَهلِ الْجَنَّة…» إِلَى آخر الحديث، وفي هذا الْمَقَام أحاديث كثيرة فلا حاجة إِلَى إيراد جَميعها، وكفى بآيات القُرْآن دليلا عَلَى ردِّ مقالتهم.
فنرجع الآن إِلَى ذِكر تشبُّثاتِهم التي تعلَّقوا بِها ثُمَّ نتعقَّبُها بالردِّ عَلَيهِم، فنقول: ذكر الفخر لَهم احتجاجا من وجوه ثلاثة:
الوجه الأَوَّل: قالوا: "إِنَّ الحمدَ يَجري مَجرى مقابلة إحسان الله بذلك الشكر القليل".
قُلنَا: لَيس الحمدُ جاريًا مَجرى مقابلة نعمة الله تَعَالىَ عَلَى جهةِ المكافأة والجزاء، وَإِنَّمَا هو جار مَجرى ذَلِكَ عَلَى جهةِ الامتثالِ للأوامر./15/