معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 3 في الجنائز

الجزء ٨ · صفحة ١٦٠

وأَمَّا قول عطاء ومن بعده فَحُجَّتُه حديث أبي سعيد الْخُدري قال: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ صَلاَةَ بَعدَ الصُّبحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمسُ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ»، فهذا النَّهي عام يتناول /278/ كُلّ ما يصدق عَلَيهِ اسم صلاة، ولاشك أن هَذِه صلاة فوجب دخولها تَحْتَ النَّهي وهو مقتضى مذهب أبي مُحمَّد.

فالأقوال الثلاثة كلّها سائغة في الْمَذهَب، وَإِنَّمَا اختاروا القول الأَوَّل؛ لأمره - صلى الله عليه وسلم - بتعجيل دفن الْجَنازَة، ولأَنَّها صلاة ذات سبب فإذا حضر سببها جازت، ولأنَّ الكراهية بعد الفجر لا لِعين الوقت، فلهذا جوَّز بعضهم قضاء الفوائت فيهما بِخِلاَفه عِندَ الطلوع والغروب والاستواء فإِنَّه منهيٌّ عنه لعينه.

سَلَّمنا أن سبب النهي خوف مشابَهة عُبَّاد الشمس، غير أنَّا نقول: إنَّ هذا السبب إِنَّمَا صار سببا لتحريم شيء لعينه حَتَّى لو لَمْ يقصد الْمشابَهة ولا خطرت بباله، وَاللهُ أَعلَم.

تنبيه: إذا حضرت الْجَنازَةُ ووقتُ الْمَكتُوبة فَإِمَّا أن يُخاف الفوت لوقت الْمَكتُوبة، أو الفساد للمَيِّت بالتأخير؛ فإن خاف شيئا من ذَلِكَ وجب تقديم ما خاف ضياعه، حَتَّى ولو أفضى إِلَى الصلاة بالتَّيَمُّم أو الإيماء إذا خشي فساد الْمَيِّت؛ لأَنَّ ذَلِكَ عذر. وإن لَمْ يخش شيئا: فقيل: /279/ يبدأ بأيِّهما شاء؛ لأَنَّ الوقت واسع، وكلا الصلاتين فرض حاضر.

وقال جابر ومُحمَّد بن مَحبوب: يبدأ بالْجَنازَة قبل الفريضة وذَلِكَ لأجل الْحثِّ عَلَى مواراتها.

وقال سعيد بن الْمُسيّب ومُحمَّد بن سيرين وإسحق بن راهويه: يبدأ بالْمَكتُوبة؛ وذَلِكَ لأَنَّ الْمَكتُوبة أقوى في الوجوب فهي أهم من صلاة الْجَنازَة.

٢٬٧٣٢ / ٣٬٧٥٢