الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٦٨ثُمَّ إن ما قيل من عدم جوازها من الصَّبِيّ غير مُسَلَّم، فإنَّ ابن عَبَّاس صَلَّى معهم خلف رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى القبر وهو يومئذ صبِيّ. نعم، لا يسقط الفرض بصلاتهم عن الْمكلّفين.
والذي يظهر لي أن الْخِلاَف في وجوبها /291/ عليهنَّ عِندَ عدم الرجال - وإن وقعت العبارة في الْجَواز - يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قول ابن مَحبوب: لَمَّا ألزمهنَّ غسله ودفنه مع عدم الرجال، باتِّفَاقهم جَمِيعهم عَلَى ذَلِكَ: أن ذَلِكَ عليهنَّ.
قُلنَا: إِنَّ الصلاة عَلَيهِ منهنَّ واجبة. وإن كنَّ نساء فصلَّت بِهنَّ واحدة فَإنَّهَا تكون وسط الصفِّ ولا تتقدّمهنَّ لِئَلاَّ تشابه الرجال؛ لأَنَّ التشبُّه بالرجال حَرام، وَاللهُ أَعلَم.
التنبيه الرابع: في تكرار الصلاة عَلَى الْمَيِّت
وقد اخلتفوا في ذَلِكَ: فمنهم: من أجاز. وَمِنهُم: من منع. ودُعِي عليٌّ إِلَى جنازة فجاء وقد فرغ الناس من الصلاة عليها فقال: "إن سبقتموني للصلاة فلم تسبقوني بالدعاء"، ثُمَّ وقف فدعا وَلَمْ يصلّ.
وجاء عبد الله بن سلام إِلَى جنازة عمر بعدما صُلِّي عليها فقال مثل مقال علي، وجعل القبر بَينه وبين القبلة ووقف وَلَمْ يصلّ.
قال الْمَانِعون: لو كان التكرار جائزا لَما اقتصر هَؤُلاَء عَلَى الدعاء. ثُمَّ إن الفرض يسقط بالصلاة الأولَى، وَلَمْ يثبت في الْجَنازَة نوع تنفل.
وللمجوزين أن يَحتجّوا بصلاة الناس عَلَى رَسُول /292/ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإِنَّهم صلُّوا عَلَيهِ أفواجا، فوجا بعد فوج. وكذَلِكَ صلاته - صلى الله عليه وسلم - عَلَى عمِّه حمزة يوم أحد، فإِنَّه صَلَّى عَلَيهِ مع كُلّ فريق من الشهداء، وجَمِيع ما سَيأتي من الأدلَّة عَلَى جواز الصلاة عَلَى القبر وعلى الغائب دليل للجواز هاهنا.