معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 3 في الجنائز

الجزء ٨ · صفحة ٢٠٦

اعلم أن ما قدَّمنا ذكره إِنَّمَا هو في حال السعة والإمكان، فإن منع مانع من فعل ذَلِكَ جاز الاقتصار عَلَى ما أمكن منه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إِذَا أَمرتُكُم بِشَيءٍ فَأتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم»، وذَلِكَ أَنَّه قد يتعذر الدفن، وقد يتعذر بعضه، وقد يتعذر تَمام فعله؛ فأَمَّا تعذُّر الدفن من أصله فكالذي يَموت في الْمركب فإِنَّه يغسل ويكفن ويصلون عَلَيهِ إن شاؤوا قعودا وإن شاؤوا قياما، عَلَى حسب ما مر في الْمَكتُوبة في السفينة، فإن أمكنهم البر وَلَمْ يَخشوا فساد الْمَيِّت، أخروه إِلَى البر وقبروه، وإن لَمْ يُمكنهم أو شقَّ عليهم ذَلِكَ، فقال الْحسن البصري: يجعل في زنبيل ثُمَّ يقذف به.

وقال بعض أصحابنا وعطاء: /353/ يربط في رجليه شيء ثُمَّ يرمى به في البحر، وبه قال أحمد بن حنبل.

وقال بعض أصحابنا: يجعل بين لوحين ثُمَّ يرمى به في البحر، فلَعَلَّ بعض الْمُسلِمين يَجده فيدفنه، فإن لَمْ توجد الألواح ورمي به فِي البحر فلا بأس.

وقال أبو سعيد: يُجعل في قفعة أو غيرها من الأواني ويربط فيه حجارة أو نحوها مِمَّا يجره إِلَى البحر.

وقال الشافعي: إن قدروا عَلَى دفنه، وَإِلاَّ أحببت أن يَجعلوه بين لوحين ثُمَّ يربطونهما ليحملاه إِلَى أن ينبذه اليمُّ بالساحل، فلَعَلَّ الْمُسلِمين أن يَجدوه فيواروه، وإن لَمْ يفعلوا وألقوه في البحر رجوت أن يسعهم.

قال ابن الْمُنذر: إن كان البحر الذي ألقي فيه الْمَيِّت الأغلب منه أن يخرج أمواجه إِلَى ساحل الْمُسلِمين، فعل به ما قال الشافعي، وَإِلاَّ فعل به ما قال عطاء.

وهَذِه كُلّها استحسانات، ومرجع الكلِّ إِلَى اعتبارين: أَحَدُهُما: جعل البحر مكان الأرض، وهو الوجه لأقوال الْمثقلين بالحجارة ونحوها، فإِنَّهم إِنَّمَا حاولوا رسوب /354/ الْمَيِّت في قعر البحر ليكون ذَلِكَ قبره.

٢٬٧٧٨ / ٣٬٧٥٢