الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٥٠قُلْتُ: وَللخبر مَحمل غَير الندبيَّة، فَإنَّهُ يَحتمل أن يَكُون الْمُرَاد بالتخليل إيصالُ الْمَاء إِلَى ما بَين الأصابِع، فيَكُون ذَلِكَ واجبا؛ لأَنَّ غَسل ما بين الأصابع واجبٌ كَغسل الأعقابِ مِن الأرجل، فيبقى الْحَدِيث عَلَى ظاهره وَهَذَا أولَى مِن حَمله عَلَى الندبِ، أَو عَلَى نسخه بالإِجمَاع، وَالله أعلَم.
والْمُرَاد بالْمِرفَقين: الْمفصَلان اللذان بَين الساعد والعضد، واحدهُما: مِرفَق (بِكسر الميم وفتح الفاء وعكسه)، وسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لأَنَّ الْمتَّكئ يَرتفق به إِذَا أخذَ بِراحَة رَأسه مُتَّكئا عَلَى ذراعه.
وغَسلُهُما معَ اليدين وَاجب عِندَنَا وعِندَ جمهور قومنا؛ لقول الله تَعَالىَ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أي: مع الْمِرفَق، ونَظِيره: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي: مَع أموالكم.
وَقيل: (إِلَى) هَا هنا لانتهاءِ الغاية كَقرَأت الكتَاب إِلَى آخره، وقَطعت الطريق إِلَى آخرها.
وذَهَبَ مَالك وزُفَر مِن قَومنا إِلَى أَنَّهُ لا يَجِبُ غَسل الْمِرفَقين والخِلاَف مَوجود أَيْضًا عِندَ أَصحَابنَا.
قَالَ الْفَخر: وَهَذَا الخِلاَفُ حَاصل أَيْضًا فِي قَوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾.
قُلْتُ: وصَرَّح بِالخِلاَف الْمَذكور فِي غَسل الكعبين صَاحِبُ الإيضاح -رحمه الله–: وحُجَّتنا ما رُوِيَ عن /153/ أبي هُرَيرَة فِي صِفة وُضُوء النَّبِيِّ - عَلَيه الصَّلاَة والسَّلاَم - «أَنَّهُ تَوَضَّأ فغسلَ يَدَه اليمنى حَتَّى شَرع فِي العضد، ثُمَّ اليُسرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ غسل الرِّجلَين حَتَّى شَرع فِي الساقِ ثُمَّ اليُسرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: «هكَذَا رأيتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ».
وَفي الضيَاء: وَقيل: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «إِذَا بَلَغَ الْمِرْفَقَيْنِ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَيهِمَا»، وَالله أعلَم.