معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 1 في الطهارات

الجزء ٢ · صفحة ٥١

احتَجَّ القائلونَ بِعدم وُجُوبِ غَسل الْمِرفَقين؛ بظاهِر قَوله تَعَالىَ: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾؛ لأَنَّ كَلِمَة (إِلَى) حَقِيقَة فِي انتهاء الغاية، وما يُجعَل غَاية للحكم يَكُون خَارجا عَنه، كما فِي قَوله تَعَالىَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ فوجبَ أَن لا يَجِب غَسل الْمِرفَقين.

وَأُجِيبَ عَلَى تَسليم أَنَّهَا لِمنتَهى الغاية، بأنَّ الْمَحدُودات عَلَى وَجهَين:

أَحَدُهُمَا: مِن جنس الْمَحدُود فحدُّه دَاخل فِيه كَالذي قدَّمنا من الْمِرفَق وَالذراع؛ لأَنَّ الْمِرفَق مِن جنس الذراع، ومِن ذَلِكَ قَولُهُم: "قَرأت الكتابَ إِلَى آخره"، و"صمتُ الشهر إِلَى آخره"، و"ذَهَبت فِي الطريق إِلَى أَقصاها".

والثاني: مَحدُود مِن غَير جِنسه فحدُّه لا يَدخل فِيه، كقَوله تَعَالىَ: ﴿أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾، فإنَّ الليل لَيسَ مِن جنسِ الْمَحدُود فلا يَدخل فِيه، ومِن ذَلِكَ قَولك: "سِر فِي هَذَا الطريقِ إِلَى الجبل" وأشباه ذَلِكَ كَثِيرٌ.

فظهرَ أَنَّ الْمِرفَقين يَجِب غَسلهُما معَ اليدين؛ لأَنَّهُما من النوع الأوَّل، وحَدِيث أبي هُرَيرَة يُؤيِّد ذَلِكَ، وكفى بِه بَيَانا لِمَعْنَى الآيَة، وَالله أعلَم.

وهَذِهِ فروع تتفرَّع عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة:

الفرع الأوَّل: فِي بَيَان الحكم إِذَا قُطع جزء من اليد

إِذَا قُطعَت يَد الْمُكلَّف مِن الساعد وَجَبَ عَلَيه غَسل الباقي اتِّفَاقًا؛ لأَنَّ الْمَوضِع الذِي أُمِر بغسله قَد ذَهَبَ وسقطَ التَكلِيف به.

وإذا قُطعَت مِن الْمِرفَق فَقَالَ الشيخ إسماعيل - رحمه الله تَعَالىَ- لَمْ يَجِب عَلَيه شَيْء؛ لأَنَّ القطعَ أتى عَلَى جَمِيع الذراعِ والْمِرفَق فِي الذراع، إِلاَّ أن يَكُون بَقِي شَيْء مِن الْمِرفَق فِي العضدِ وتَعرفه العرب فِي كَلاَمها فإنَّ عَلَيه غَسله.

٢٧٩ / ٣٬٧٥٢