الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢١٣قيل: إِنَّه مكروه؛ لأَنَّه شعار الجزع، فلا ينبغي للرجال ولا للنساء أن يجلسوا لذَلِكَ، وَإِنَّمَا يكونون عَلَى حالهم الأَوَّل، فمن وجدهم من إخوانهم عزَّاهم حيث ما كانوا، والسنَّة أن يعمل لَهُم طعام؛ لأَنَّهم مشغولون بأنفسهم، فيعمل أقارب المصاب وجيرانه للمصاب.
وَلَمَّا استشهدَ جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - في غزوة مؤتة، قال - صلى الله عليه وسلم - لأهله: «لاَ تَغفَلُوا /364/ عَن آلِ جَعفَر أَن تَصنَعُوا لَهُم طَعامًا فَإِنَّهم قَد شُغِلُوا بِأَمرِ صَاحبِهِم»، وفي رواية: دخل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى فاطمة وهي تقول: "واعمَّاه"، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «عَلَى مِثلِ جَعفَر فَلتَبْكِ الباكِيَة»، ثُمَّ قال -عليه الصلاة والسلام-: «اصنَعُوا لآلِ جَعفَر طَعامًا فَقَد شغلُوا عَن أَنفسِهِم اليَوم». وفي رواية: «فإِنَّهم شَغلَهُم مَا هُم فِيه».
وقد عكس الناس اليوم فصار أهل الْمَيِّت يطعمون الْجيران وغيرهم مِمَّن يأتي إليهم، وقد اختلف فِي هَذَا الإطعام: فقيل: إِنَّه بدعة؛ لأَنَّهُ قد خالف السنة، وَقِيلَ: إِنَّه مكروه والورع تركه. ثُمَّ كثر استعمال هذا الْمكروه أو المبتدع حَتَّى صار الْمَريض يَجعله من جملة وصاياه فيوصي به، إِمَّا رفقا بالوارث إذا كان في الورثة أيتام، وَإِمَّا خوف السبَّة وحذار الكلمة، فهذا آثم لا مَحالة والوصيَّة به باطلة إن علم مراده من إقراره. /365/
وَأَمَّا الأَوَّل فلا حرج عَلَيه لحسن نيته، وإن ارتكب الْمكروه من جهة فقد قصد الْخَير من جهة أخرى.