الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢١٥وليت شعري، ما يقول هذا الْمعترض في تأليف الكتب فإِنَّها حادثة أيضا، فإن اعترف أن بعض الْمحدثات ليس بضلالة، وَإِلاَّ لزمه أن يكون ضالاًّ أيضا؛ لأَنَّه قد ألف التآليف وأكثر منها، ولكن القول الْحَقّ أن يقال: إِنَّهَا بدعة مكروهة، وأن الوصيَّة بِهَا وصيَّة بِمكروه، وأن للحاكم أن ينظر في أحوال الناس، فإن اقتضى نظره الإنكار أنكر بعد أن يمنعهم منه، ولا تثبت بعد حجر الْحَاكم وصيَّة؛ لأَنَّه مطاع في /367/ الأمر والنهي، قال الله تَعَالَى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وَالله أعلَم.
الْمَسأَلَة السابعة: في البكاء عَلَى الْمَيِّت، وفيها أمور:
الأمر الأَوَّل: البكاء الْمجرَّد عن الْمكروهات
وهو: دمعة العين، ورُبَّمَا يرتفع الصوت بالنشيج لشدَّة الاحتراق، وهذا كُلّه جائز إن لَمْ يكن سخطا للقضاء، فيَجُوز قبل الْمَوت وبعده.
وَقِيلَ: الأولَى تركه بعد الْمَوت إن أمكن.
وَقِيلَ: إِنَّه مكروه بعد الْمَوت لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «فَإذَا وَجَبَ فَلاَ تَبكِيَنَّ بَاكِية».
والدليل عَلَى جوازه: أَنَّه - صلى الله عليه وسلم - عادَ سعد بن عبادة ومعه جماعة فبكى، فَلَمَّا رَأوه بكوا، فَقال: «ألاَ تَسمَعُونَ أَنَّ الله لاَ يُعذِّبُ بِدَمعِ العينِ ولاَ بِحُزنِ الْقَلبِ وَلَكِن يُعذِّبُ بِهَذَا وَيَرحَم، وَأشَارَ إِلَى لِسَانِه».
ورفع إليه - صلى الله عليه وسلم - ابن ابنته وهو في الْمَوت ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما /368/ هذا يا رَسُول الله؟ قال: «هَذِه رَحْمَةٌ جَعَلَها اللهُ تَعَالَى في قُلُوبِ عِبَادِه، وَإِنَّمَا يَرحَمُ الله مِن عِبَادِه الرُّحَماء».