الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٢٩وثانيهما: يَحتمل أَنَّهم شاهدوا الأهوال المستقبلة والعذاب السرمدي استقصروا ما مضى من الْمُدَّة، ورأوه مَرقدًا بالنسبة إِلَى هذا الأمر العظيم؛ لأَنَّهم /389/ يتمنَّون ألاَّ تقوم الساعة.
وَالْحُجَّة لنا عَلَى ثبوته: آيات وأحاديث رواها الثقات عن الثقات، وعضدتها عِندَ قومنا أحاديث، بل الْجَمِيع جاء عَلَى حدِّ التواتر الْمعنوي فلا سبيل إِلَى دفعه بِمجرَّد الظنِّ وخالص الوهم، أَمَّا الآيات فمنها قوله تَعَالَى: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. عن ابن عَبَّاس: ﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: هذا عِندَ الْمَوت، والبسط: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم.
وفيه أَنَّه استدلال في غير مَحلّ النزاع، وذَلِكَ أن النزاع في العذاب بعد الْمَوت، فكيف يستدلّ عَلَيهِ بالعذاب حال الْمَوت؟.
والْجَوَاب: أن الاستدلال بقوله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ فَإِنَّهُ إخبار لَهُم بعاقبة أمرهم؛ إذ الْمُرَاد باليوم ما بعد خروج الروح، وَاللهُ أَعلَم.
ومنها قوله تَعَالَى: ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ /390/ فالعذاب الأَوَّل في الدنيا بالفضيحة، وقال الْحسن: يأخذ صدقات أموالهم وهم كارهون لإخراجها، وأَمَّا العذاب الثاني ففي القبر بما شاء الله، وأَمَّا الثالث ففي الآخرة بعذاب النار والعياذ بالله.