معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 3 في الجنائز

الجزء ٨ · صفحة ٢٣٤

والوجه الثاني: أن الآية تَمثيل لا تَحقيق؛ لأَنَّه /397/ لا يَخلو من أحد وجوه ثلاثة: إِمَّا أن يريد أَنَّهم أحياء في الوقت عَلَى ظاهر اللفظ، وَإِمَّا أن يريد أَنَّهُم يحيون يوم القيامة، وَإِمَّا أن يريد الإخبار عن شرف حالهم وفضلهم فجعلهم كالأحياء، قال: ولا يَجُوز أن يكونوا أحياء في الْحَال عَلَى الْحَقِيقَة؛ لأَنَّ ذَلِكَ يوجب أن يكون جَمِيع الأنبياء ومن هو أفضل منهم وفي مثل حالهم من الْمُؤْمِنين؛ بل جَمِيع الْمُؤْمِنين أحياء في الوقت والأمر بِخِلاَفه، ولأَنَّه قال: ﴿أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فلو كانوا أحياء في الْحَقِيقَة لوجب أن يراد ب﴿عِندَ﴾ مَكان لَديه، فتعيَّن تفسير ﴿عِندَ﴾ بالْحكم كما في قوله تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾، وقوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ والْمَعنَى: في حكم الله. قال: ولا يَجُوز أن يكون الْمُرَاد به أن يحيون يوم الْقِيَامَة؛ لأَنَّ جَمِيع الناس برهم وفاجرهم فِيه سواء يحيون يوم القيامة؛ فلم يبق إِلاَّ أَنَّه أراد أَنَّهم أحياء عَلَى وجه التشريف والإخبار عن جلالة حالهم وفضل شَأنهم، /398/ قال: ومن عادة العرب أن تمثل الحي بالْمَيِّت، والْمَيِّت بالْحيّ، قال الله تَعَالَى: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، وقال الشاعر:

… لَقد أَسَمِعت لَو نَادَيت … حيا … ولَكن لاَ حَياةَ لِمَن … تُنادي

وقال آخر:

… إذا مَاتَ الْمَرء عَاشَ بِعظم … مَيِّت … فذاكَ الْمَيِّتُ حيٌّ وهُو … مَيِّت

٢٬٨٠٦ / ٣٬٧٥٢